الحديث رقم 246
نص الحلقة
في كتاب القضاء أخرج مسلم عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها. قال النووي: في المراد بهذا الحديث تأويلان، أصحهما وأشهرهما أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق، ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له. والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة، وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم، فما تُقبل فيه شهادة الحسبة: الطلاق والعتق والوقف والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك، فمن علم شيئًا من هذا وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به والشهادة. قال الله تعالى: وأقيموا الشهادة لله. قال العلماء: وليس في هذا الحديث مناقضة للحديث الآخر في ذم من يأتي بالشهادة قبل أن يُستشهد، في قوله صلى الله عليه وسلم: يشهدون ولا يُستشهدون، وقد تأول العلماء هذا تأويلات، أصحها أنه محمول على من معه شهادة لآدمي عالم بها، فيأتي فيشهد بها قبل أن تُطلب منه. والثاني أنه محمول على شاهد الزور، فيشهد بما لا أصل له ولم يُستشهد. والثالث أنه محمول على من ينتصب شاهدًا وليس هو من أهل الشهادة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور. وكان متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. قوله: حتى قلنا: ليته سكت، أي شفقةً عليه، وكراهيةً لما يزعجه، وفيهما كان عليه رضي الله عنهم من كمال الأدب معه صلى الله عليه وسلم، والمحبة له والشفقة عليه. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء. وأخرج البخاري ومسلم عن يزيد بن شريك بن طارق التيمي قال: رأيت عليًا على المنبر يخطب، فسمعته يقول: لا والله، ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. فنشرها، فإذا فيها أسنان الإبل وأشياء من الجراحات. وللبخاري عن أبي جحيفة السوائي قال: قلت لعلي يا أمير المؤمنين، هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ وقال مرة: ما ليس عند الناس؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: فيها العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يُقتل مسلم بكافر. العقل: الدية. والمراد ما ذُكر في الرواية الأولى. وسميت عقلاً لأن الإبل كانت تُعقل بثناء ولي القتيل، ثم كثر الاستعمال فأُطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلاً. وفي كاك الأسير كقوله في الحديث الآخر: فكوا العاني، وفكه تخليصه بالفداء، أي خلصوا الأسير المسلم في أيدي الكفار أو المحبوس ظلماً بغير حق. قال ابن بطال: فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور، وقال إسحاق من بيت المال. وقيل المعنى: أعتقوا الأسير، أي الرقيق. وإنما سأل أبو جحيفة علياً رضي الله عنهما لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت، ولا سيما علياً، أشياء من الوحي خصهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يطلع عليها غيرهم، كما سأله قيس بن عباد والأشتر النخعي في الحديث الآتي. قال النووي: هذا تصريح من علي رضي الله عنه بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إليه بأمور كثيرة، وأنه خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم بسند حسن عن قيس بن عباد قال: انطلقت أنا والأشتر إلى علي، فقلنا له: هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في هذا. فأخرج كتاباً من قراب سيفه، فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم. وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ. ألا لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده. من أحدث حدثًا فعلى نفسه، ومن أحدث حدثًا أو آوى مُحْدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. قراب السيف: وِعَاءٌ من جلد ألطف من الجراب، يدخل فيه السيف بغمده وما خف من الآلة. وقولهم يد على من سواهم، قال ابن الأثير: أي ذو يد، يعني قدرةً واستيلاءً على غيرهم من أصحاب الملل. وفي قوله: يسعى بذمتهم أدناهم، قال ابن الأثير: وقد أجاز عمر أمان عبد على جميع الجيش. وجاء في بعض روايات الحديث: والمدينة حرم، وفيها: لعن الله من ذبح لغير الله، وفيها فرائض الصدقة. قال المباركفوري: والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة، وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه. باب القصاص. أخرج البخاري عن أنس أن الربيع عمته وهي ابنة النضر كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا، والذي بعثك، لا تكسر ثنيتها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس، كتاب الله القصاص. فرضي القوم فعفوا، وفي رواية: قبلوا الأرش. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره. الأرش ودية، وسمي أرشًا لأنهم الأسباب النزاع، يقال أرشت بين القوم إذا أوقعت بينهم. وأخرج مسلم عن أنس أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: القصاص القصاص. فقالت أم الربيع: يا رسول الله، أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله يا أم الربيع، القصاص كتاب الله. قالت: والله لا يقتص منها أبدًا. فما زالت حتى قبلوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره. قال النووي: حصل الاختلاف في الروايتين من وجهين: أحدهما أن في رواية مسلم أن جارية أخت الربيع، وفي رواية البخاري أنها الربيع نفسها. والثاني أن في رواية مسلم أن الحالفة لا تكسر ثنيتها هي أم الربيع، بفتح الراء، وفي رواية البخاري أنه أنس بن النضر. قال العلماء: المعروف في الروايات رواية البخاري، وقد ذكرها من طرقه الصحيحة، وكذا رواه أصحاب كتب السنن. قلت: إنهما قضيتان: أما الربيع الجارحة في رواية البخاري، وأخت الجارحة في رواية مسلم، فهي بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء. وأما أم الربيع الحالفة في رواية مسلم فبفتح الراء وكسر الباء وتخفيف الياء. وقال ابن حجر: جزم ابن حزم بأنهما قصتان صحيحتان لامرأة واحدة. جرحت إنسانا فقضي عليها بالضمان، وكسرت ثنية جارية فقضي عليها بالقصاص، وحالفت أمها في الأولى وأخوها في الثانية. وقال البيهقي: ظاهر الخبرين يدل على أنهما قصتان.