الحديث رقم 251
نص الحلقة
في باب إقامة الحدود، أخرج البخاري عن عروة بن الزبير أن عبيد الله بن عدي بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا له: ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان في أخيه الوليد بن عقبة، وكان أكثر الناس فيما فعل به؟ قال عبيد الله: فانتصبت لعثمان حين خرج إلى الصلاة، فقلت له: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة. فقال: أيها المرء، أعوذ بالله منك، فانصرفت. فلما قضيت الصلاة جلست إلى المسور وإلى ابن عبد يغوث، فحدثتهما بالذي قلت لعثمان، وقالا لي، فقال: قد قضيت الذي كان عليك. فبينما أنا جالس معهما إذ جاءني رسول عثمان، فقال لي: قد ابتلاك الله. فانطلقت حتى دخلت عليه، فقال: ما نصيحتك التي ذكرت آنفًا؟ فتشهدت، ثم قلت: إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وآمنت به، وهاجرت الهجرتين الأوليين، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيت هديه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد بن عقبة، فحق عليك أن تقيم عليه الحد. فقال لي: يا ابن أخي، أأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لا، ولكن قد خلص إلي من علمه ما خلص إلى العذراء في سترها. فتشهد عثمان. رضي الله عنه، فقال إن الله قد بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وآمنت بما بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، وهاجرت الهجرتين الأوليين كما قلت، وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعته، والله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله، ثم استخلف الله أبا بكر، فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلف عمر، فوالله ما عصيته ولا غششته، ثم استخلفت، أفليس لي عليكم مثل الذي كان لهم علي؟ وفي رواية: أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم؟ قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ فأما ما ذكرت من شأن الوليد بن عقبة، فسنأخذ فيه إن شاء الله بالحق. قال: فجلد الوليد أربعين جلدة، وأمر عليًا أن يجلده، وكان هو يجلده. خلص، وخلص، أي وصل. وجاء عند البخاري أيضًا من رواية يونس فجلده ثمانين. قال ابن حجر: رواية معمر فجلد الوليد أربعين جلدة أصح من رواية يونس، والوهم فيه من الراوي عنه شبيب بن سعيد، ويرجح رواية معمر ما أخرجه مسلم أنه جلده أربعين. قال: وروى عمر بن شبة في أخبار المدينة أنه ضربه بمخصرة لها رأسان، فلما بلغ أربعين قال له: أمسك، انتهى ملخصًا. وستأتي رواية مسلم في باب ما جاء في حد شارب الخمر، وأن الحد الذي أصابه أنه شرب الخمر. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن، رحمهم الله جميعًا، بسند صحيح عن عطية القرظي رضي الله عنه قال: عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فكل من أنبت قُتل، وكل من لم ينبت خُلِّي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخُلِّي سبيلي. وفي رواية: كنت يوم حكم سعد في بني قريظة غلامًا فشكوا فيَّ، فلم يجدوني أنبت، فاستبقيت، فهاأنا ذا بين أظهركم. أراد بالإنبات نبات شعر العانة، فجعله علامة على البلوغ. قال الخطابي في معالم السنن: اختلف أهل العلم في حد البلوغ الذي إذا بلغه الصبي أقيم عليه الحد، فقال الشافعي: إذا احتلم الغلام أو بلغ خمس عشرة سنة فإن حكمه حكم البالغين في إقامة الحد عليه، وكذلك الجارية إذا بلغت خمس عشرة سنة أو حاضت. وأما الإنبات فإنه لا يكون حدًّا للبلوغ، وإنما يفصل به بين أهل الشرك، فيقتل مقاتلوهم ويترك غير مقاتليهم. وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل: في بلوغ الغلام خمس عشرة سنة مثل قول الشافعي. وقال أحمد وإسحاق: الإنبات بلوغ. يقام به الحد على من أنبت، وحكي مثل ذلك عن مالك بن أنس في الإنبات. فأما في السن فإنه قال: إذا احتلم الغلام أو بلغ من السن ما لا يتجاوزه غلام إلا احتلم، فحكمه حكم الرجال، ولم يجعل الخمسة عشرة سنة حدًّا في ذلك. وقال سفيان: سمعنا أن الحلم أدناه أربع عشرة، وأقصاه ثمانية عشرة، فإذا جاءت الحدود أخذنا بأقصاها. وذهب أبو حنيفة إلى أن حد البلوغ في استكمال ثماني عشرة سنة، إلا أن يحتلم قبل ذلك، وفي الجارية استكمال سبع عشرة سنة إلا أن تحيض قبل ذلك. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه علي، ولم يسأله. وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى النبي الصلاة قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقم فيَّ كتاب الله. قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك. بوّب عليه البخاري بقوله: باب إذا أقر بالحد ولم يبين، هل للإمام أن يستر عليه؟ واستحب العلماء تلقين من أقر بموجب الحد تلقينه الرجوع عنه، إما بالتعريض أو بأوضح منه، ليدرأ عنه الحد. كما سيأتي في حديث ماعز رضي الله عنه. وجزم النووي وجماعة أن الذنب المذكور في حديث أنس هنا كان من الصغائر، بدليل أنها كفرت بالصلاة، ولو كان كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة. ويرى الخطابي أنها حادثة خاصة أطلع الله نبيه عليها. وقد سبق الحديث في باب فضل الصلاة من رواية أبي أمامة رضي الله عنه. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. وللبخاري: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة.