الحديث رقم 253
نص الحلقة
في باب حد الزاني أخرج مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم، أي تسويد الوجه، والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم. فأنزل الله عز وجل: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إلى قوله: إن أوتيتم هذا فخذوه، يقول: ائتوا محمدًا، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل الله تبارك وتعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، في الكفار كلها. وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. أن رجلاً من أسلم يقال له ماعز بن مالك أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه علي. فرده النبي صلى الله عليه وسلم مراراً، ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأساً، إلا أنه أصاب شيئاً يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد. قال فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرنا أن نرجمه. وفي رواية: فاعترف بالزنا ثلاث مرات، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد، فما أوثقناه ولا حفرنا له، فرميناه بالعظام والمدر والخزف، فاشتد واجتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة، فانتصب لنا، فرميناه بجلاميد الحرة، يعني الحجارة، حتى سكت. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً من العشي، قال: أوكلما انطلقنا غزاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس؟ علي ألا أوتى برجل فعل ذلك إلا نكلت به. قال: فما استغفر له ولا سبه. قوله جلاميد هي جمع جلمد وجلمود، وهو الحجر الكبير. وقوله سكت، قال النووي: بالتاء في آخره، هذا هو المشهور، ومعناه مات. قال القاضي: وروي بالنون، سكن، والأول أصوب. ونبيب التيس صوته عند طلب أنثاه. قال النووي: قوله فما أوثقناه ولا حفرنا له، وفي رواية عند مسلم: فلما كان الرابعة حفر له حفرة. ثم أمر به فرجم، وذكر بعده في حديث الغامدية، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. أما قوله: فما أوثقناه، فهكذا الحكم عند الفقهاء. وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء. قال أبو مالك، قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رضي الله عنهم في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما. انتهى. وقيل: يحفر للمرأة، وقيل: يحفر للمرجوم بالبينة لا بالإقرار. وأخرج مسلم عن بريدة الأسلمي رضي الله عنه أن ماعز بن مالك الأسلمية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني. فرده، فلما كان من الغد أتاه، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت. فرده الثانية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال: أتعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا فيما نرى. فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا، فسأل عنه، فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله. فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم. قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها. فلما كان من الغد قالت: يا رسول الله، لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا. فَوَاللهِ إِنِّي لَحُبْلَى. قال: إِمَّا لا، فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي. فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته. قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد فسبها. فسمع نبي الله صلى الله عليه وسلم سبه إياها، فقال: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له. ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت. وفي رواية: جاء ماعز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله طهرني. قال: ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه. فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني. قال: ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه. فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني. فأعاد القول وأعاد هو، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مما أطهرك؟ قال: من الزنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمرا؟ فقام رجل فاستنكهه. فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَزَنَيْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: قَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ. إِنَّهُ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَلَبِثَ بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ. فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُمْ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ طَهِّرْنِي. فَقَالَ: وَيْحَكِ، ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ. قَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ. قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا. قَالَ: آأَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهَا: حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ. فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ. قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ. فَقَالَ: إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعَهُ يَا نَبِيَّ اللهِ. فَرَجَمَهَا. قَوْلُهُ: تَنَضَّحَ الدَّمُ أَيْ تَرَشَّشَ. رَوَاهُ الأَكْثَرُونَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. وروي بالخاء: تنضخ. والمكس: الضريبة على الأموال. واستنكهه أي شم رائحة فمه. قال النووي رحمه الله: فيه أن المكس من أقبح الذنوب الموبقات، وأن توبة الزاني لا تسقط عنه الحد، وكذا توبة السارق والشارب.