الحديث رقم 252
نص الحلقة
في باب حكم المحاربين والمرتدين، أخرج البخاري عن عكرمة قال: أُتي عليّ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذبوا بعذاب الله، ولا قتلتهم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه. الزنديق هو المبطن للكفر المظهر للإسلام، وقيل هو الذي ينكر الشرائع ولا دين له، وقد يطلق على المنافق. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على اليمن ثم أتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه قال: انزل، وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثق. قال: ما هذا؟ قال: هذا كان يهوديًا فأسلم، ثم راجع دينه دين السوء فتهود. قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله. فقال: اجلس. نعم. قال: لا أجلس حتى يُقتل، قضاء الله ورسوله. ثلاث مرات، فأمر به فقتل. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله، إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع. وأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم، واستاقوا الذود. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم. قال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. وفي رواية قال قتادة: فحدثني ابن سيرين أن ذلك قبل أن تنزل الحدود. وللبخاري أن ناسا من عرينة اجتووا المدينة، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي واستاقوا الذود، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة يعضون الحجارة. وفي أخرى له: أن ناسا كان بهم سقم، فقالوا: يا رسول الله، آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة، فأنزلهم الحرة في ذود له، فقال: اشربوا من ألبانها، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا ذوده، فبعث في آثارهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم. فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت. قال سلام. وهو ابن مسكين، فبلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقب بها النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثه بهذا. فبلغ الحسن، فقال: وددت أنه لم يحدث، ولمسلم بنحوه، وفيه: وكان قد وقع بالمدينة الموم، وهو البرسام. قال: وكان عنده شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسل إليهم وبعث قائفًا يقتص آثارهم. وفي أخرى له قال: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء. قال أبو قلابة: وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؟ ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا، وسرقوا. سبق الحديث قريبًا في باب الديات، وسيأتي طرف منه في باب الطب النبوي. وقوله: استوخم المدينة، أي لم توافق مزاجهم، ومثلها قوله: اجتووها. وسمر العين أن تحمى لها مسامير الحديد، وتكحل بها ليذهب بصرها. وسملها أن تفقأ بحديدة محماة، ويكدم الأرض ويكدمها أي يعضها. والموم كذا بضم الميم وإسكان الواو، والبرسام بكسر الباء، وهو نوع من اختلال العقل، ويطلق على ورم الرأس وورم الصدر، قاله النووي. والقائف هو الذي يعرف آثار الأقدام ويعرف الشبه، والرعاء جمع راع كصحاب وصاحب. قال ابن حجر: قوله فبلغ الحسن هو الحسن البصري، وفي رواية بهز: فوالله ما انتهى الحجاج. حتى قام بها على المنبر، وقال: قطع النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي والأرجل وسمل الأعين في معصية الله، أفلا نفعل نحن ذلك في معصية الله؟ وأخرج الإسماعيلي عن أنس قال: ما ندمت على شيء ما ندمت على حديث حدثت به الحجاج فذكره. وإنما ندم أنس لأن الحجاج مسرف في العقوبة، وكان يتعلق بأدنى شبهة، ولا حجة له في قصة العرنيين؛ لأنه وقع التصريح أنه مرتد، وأنه قبل نزول الحدود، وقبل النهي عن المثلة. باب حد الزاني. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم. فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما. قال: فرأيت الرجل يجنئ على المرأة يقيها الحجارة. وفي رواية: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة من اليهود وقد زنيا. فَقَالَ لِلْيَهُودِ: مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا؟ قَالُوا: نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا. قَالَ: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَجَاءُوا بِهَا، فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ أَعْوَرَ: اقْرَأْ. فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلَكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُمَا يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ. وَفِي أُخْرَى أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ قُرْبَ الْمَسْجِدِ. وَلِلْبُخَارِيِّ قَالُوا: إِنَّ أَحْبَارَنَا أَحْدَثُوا تَحْمِيمَ الْوَجْهِ وَالتَّجْبِيهَ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا سَبَقَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرُجِمَا عِنْدَ الْبَلَاطِ، فَرَأَيْتُ الْيَهُودِيَّ أَجْنَأَ عَلَيْهَا. وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ، وَفِيهِ: فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَ يَهُودُ، فَقَالَ: مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ قَالُوا: نَسُوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّمُهَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَمَا سَبَقَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ. التَّسْخِيمُ وَالتَّحْمِيمُ: تَسْوِيدُ الْوَجْهِ بِالْحُمَمِ وَهِيَ الْفَحْمُ. وَاحِدَتُهَا حُمَمَةٌ. وَالتَّجْبِيهُ فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ، وَالْمُخَالَفَةُ فِي الرُّكُوبِ. قَالَ ثَابِتٌ: وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ التَّعْيِيرَ وَالْإِغْلَاظَ. من جبهت الرجل أي قابلته بما يكره، وقوله أجنأ عليه يجنئ وجانأ يجانئ أي يكب عليه يقيه بنفسه شيئا يؤذيه، ورويت يحني، قال ابن حجر: وجملة ما حصل لنا من الاختلاف في ضبط هذه اللفظة عشرة أوجه، ثم ذكرها.