الحديث رقم 254
نص الحلقة
في باب حد الزاني، أخرج مسلم عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: رأيت ماعزًا حين جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، رجل قصير أعضل، ليس عليه رداء، فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلعلك. قال: والله إنه قد زنى الآخر. قال: فرجمه ثم خطب، فقال: ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدهم، وفي رواية: أحدكم، ينب نبيب التيس، يمنح إحداهن الكثبة، إن الله لا يمكنني من أحد منهم إلا جعلته نكالًا، أو قال: نكلته. وفي رواية فرده مرتين، ثم أمر به فرجم. قال: فحدثته سعيد بن جبير فقال: إنه رده أربع مرات، وفي أخرى: فرده مرتين أو ثلاثًا. قوله: أعضل، أي ذو عضلات كما في رواية أخرى، والعضلة كل لحمة صلبة مكتنزة، والأخر بوزن الفطن هو الأرذل والأبعد، وقيل اللئيم، وقيل الشقي، ومراده نفسه رضي الله عنه. والكثبة القليل من الطعام أو اللبن أو غيرهما. قال النووي: قوله فلعلك معناه الإشارة إلى تلقينه الرجوع عن الإقرار، كما جاء في الرواية الأخرى: لعلك قبلت أو غمزت، وفيه استحباب تلقين المقر بحد الرجوع، لأن الحدود تدرأ بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى المالية. كالزكاة والكفارة وغيرهما، فهي لا يجوز التلقين فيها، ولو رجع لم يقبل رجوعه. وقد جاء تلقين الرجوع عن الإقرار بالحدود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، واتفق العلماء عليه. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز النبي صلى الله عليه وسلم قال له: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله. قال: أنكتها؟ لا يكني. فعند ذلك أمر برجمه. هذه رواية البخاري. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز بن مالك: أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان. قال: نعم. فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم. قوله: لا يكني، أي ذكر اللفظ صريحًا ولم يكن عنه بلفظ آخر، قد يحمل على ما دون ذلك. قال ابن حجر في كلامه على حديث: أشد حياءً من العذراء في خدرها في صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ومحل وجود الحياء منه صلى الله عليه وسلم في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزنا: كذا وكذا، لا يكني. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل من أسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله، إن الآخر قد زنى، يعني نفسه، فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله. فقال له ذلك، فأعرض، فتنحى الرابعة، فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه، فقال: هل بك جنون؟ قال: لا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه، وكان قد أحصن. قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فرجمناه بالمدينة، فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه حتى مات. هذه رواية البخاري ومسلم. ولمسلم قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال له: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه. قوله: أذلقته الحجارة، أي أصابته بحدها. وقوله: جمز، أي أسرع هاربًا. وقوله: هل أحصنت، أي هل تزوجت؟ يقال: أحصن الرجل، أي تزوج، فهو محصن ومحصن، وكذلك المرأة. قال النووي: قوله اذهبوا به فارجموه فيه جواز استنابة الإمام من يقيم الحد. قال العلماء: لا يصح في الحد إلا الإمام أو من فوض ذلك إليه. وعند الجمهور أن حديث ماعز ناسخ لجمع الجلد مع الرجم. وَأَنَّهُ يَكْفِي الرَّجْمَ وَلَا يُجْلَدُ مَعَهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رَحِمَهُمَا اللهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ عُمَرُ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَنٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوِ الْاعْتِرَافُ. الْحَبَلُ أَيْ الْحَمْلُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: خَطَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ، مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَنَتْ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَأَتَيْتُهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، اتْرُكْهَا حَتَّى تَمَاثَلَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْجَلْدَ وَاجِبٌ عَلَى الْأَمَةِ الزَّانِيَةِ، وَأَنَّ النُّفَسَاءَ وَالْمَرِيضَةَ وَنَحْوَهُمَا يُؤَخَّرُ جَلْدُهُمَا إِلَى الْبُرْءِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير. قال محمد بن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة. وفي رواية: إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر. قوله: فليجلدها، أي الحد الواجب عليها، المعروفة من صريح الآية: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب. أما نفيها، فالأئمة الثلاثة وأكثر العلماء يقولون: لا نفي على رقيق. وقوله: لا يثرب عليها، أي لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالتعيير. وقيل: المراد لا يقتنع بالتوبيخ دون الجلد. قال ابن بطال: يؤخذ منه أن كل من أقيم عليه الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم. وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن سب الذي أقيم عليه حد الخمر، وقال: لا تكونوا عونًا للشيطان على أخيكم. والضفير هو الحبل المظفور، والأمر بالجلد واجب، والأمر بالبيع مندوب، هكذا عند الجمهور. وفيه الزجر عن مخالطة الفساق ومعاشرتهم ولو كانوا من الأقربين إذا تكرر زجرهم ولم يرتدعوا.