الحديث رقم 412
نص الحلقة
في باب الحشر والحساب والشفاعة، أخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم، أو قال بخطاياهم، فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبُثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل. فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية. قال النووي: معناه أن المذنبين من المؤمنين يميتهم الله تعالى إماتة بعد أن يعذبوا المدة التي أرادها الله تعالى، وهذه الإماتة إماتة حقيقية يذهب معها الإحساس، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدرها الله تعالى، ثم يخرجون من النار موتى، فيحملون ضبائر كما تحمل الأمتعة، ويلقون على أنهار الجنة، فيصب عليهم ماء الحياة فيحيون، وينبتون نبات الحبة في حميل السيل في سرعة نباتها. وقوله: ضبائر أي جماعات، واحدتها ضبارة بكسر الضاد وفتحها، ويقال أيضاً إضبارة، والحبة بكسر الحاء بذور النبات، وحميل السيل ما يحمله من طين وغيره. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول: انظروا من وجدتم في قلبه... مِثقالَ حَبَّةٍ من خردلٍ من إيمانٍ فأخرجوه، فيُخرجون منها حُمَمًا قد امْتَحَشوا، فيُلقَون في نهرِ الحياة أو الحيا، فينبتون فيها كما تنبت الحِبَّةُ إلى جانب السيل. ألم تروها كيف تخرج صفراء ملتوية؟ هذا لفظ مسلم. وعند البخاري: فيُخرجون منها قد اسودوا، وقال: من خردلٍ من خير. قال النووي: قوله أو الحيا صرح البخاري بأن الشك من مالك، وروايات غيره: الحيات بالتاء من غير شك، والحيا المطر، سمي حيا لأنه تحيا به الأرض، وكذلك هذا الماء يحيا به هؤلاء المحترقون. وأخرج البخاري عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليصيبن أقوامًا سفعٌ من النار بذنوب أصابوها عقوبةً، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، يقال لهم: الجهنميون. وفي رواية: يخرج من النار قوم بعدما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين. قوله سفع من النار أي علامة تغير ألوانهم، يقال سفعته النار أي لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون بشرته وسودته. وأخرج البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج من النار قوم بالشفاعة كأنهم الثعارير. قلنا ما الثعارير؟ قال: الضغابيس. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: إن الله يخرج ناسًا من النار فيدخلهم الجنة. وفي أخرى له: إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة. الثعارير صغار القثاء، وهي الضغابيس أيضًا. وقيل: الثعرور نبت يخرج في أصول الثمام قدر شبر، في دقة الأصابع، لا ورق له. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج من النار أربعة، فيعرضون على الله، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب، إذ أخرجتني منها فلا تعدني فيها، فينجيه الله منها. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط بعزتك وكرمك. وفي رواية: قد قد بعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة. وفي رواية: لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض. ولمسلم: قال: يبقى من الجنة ما شاء الله أن يبقى، ثم ينشئ لها خلقًا مما يشاء. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له. وَإِنِّي أُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللهُ أَنْ أُؤَخِّرَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. زَادَ مُسْلِمٌ: فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ كَمَالُ شَفَقَتِهِ بِأُمَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِاللهِ تَعَالَى لَمْ يُخَلَّدْ فِي النَّارِ وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ نَبِيٍّ سَأَلَ سُؤَالًا، أَوْ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَاهَا لِأُمَّتِهِ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، وَخَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي الْجَدَعَاءِ التَّمِيمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. قُلْنَا: سِوَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: سِوَايَ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: سِوَايَ سِوَايَ. قُلْتُ: أَأَنْتَ سَمِعْتَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنْصُرُكَ وَيَغْضَبُ لَكَ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح، وفي رواية قلت: يا رسول الله ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. قوله يحوطك يعني ينصرك، وغمرات الأمر معظمه وشدائده، والمراد أنه كان في معظم النار وشدائدها، والضحضاح ما رق من الماء على وجه الأرض يبلغ الكعبين، وهو ضد الغمرة، والمعنى أنه خفف عنه العذاب. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عنده عمه أبو طالب، فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه، وفي رواية: تغلي منه أم دماغه.