الحديث رقم 416
نص الحلقة
باب في ذكر الجنة ونعيمها، جعلنا الله وإياكم من أهلها. أخرج البخاري رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك. وشراك النعل سير النعل على ظهر القدم. وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. فقالوا: يا رسول الله، من يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في السنن والبغوي رحمهم الله بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. فحجبت، وفي رواية فحفها بالمكاره. ثم قال: اذهب فانظر إليها. فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد. ولما خلق الله النار قال لجبريل: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها. فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها. فحفَّت، وفي رواية: فحفَّها بالشهوات، ثم قال: اذهب انظر إليها. فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها. وأخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم أو موضع قده، يعني سوطه، من الجنة، أو موضع قدم من الجنة خير من الدنيا وما فيها. ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفها يعني الخمار خير من الدنيا وما فيها. القاب هو القدر، وقوله: لقاب قوس أحدكم يعني لقدر قوسه، والغدوة من أول النهار إلى زوال الشمس، والروحة من زوالها إلى غروبها. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذخرًا، بله ما أطلعكم الله عليه. ثم قرأ: فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين. قوله: ذخرًا، أي جعلت ذلك لهم مدخرًا مذخورًا. وبله بمعنى دع واترك. قوله: بله ما أطلعكم عليه، أي دعًا كما أطلعكم عليه، فالذي لم يطلعكم عليه أعظم. وقيل معناها غير، وقيل معناها كيف. وقوله أطلعكم في رواية اطلعتم، وفي أخرى أطلعتكم. وأخرج مسلم عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم اقترأ هاتين الآيتين: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان رحمهم الله جميعًا بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة عام. وأخرج الشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون، غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار. وقمت على باب النار، فإذا عامة من دخلها النساء. أصحاب الجد هم أصحاب الغنى والحظ في الدنيا. قال النووي: وقيل المراد أصحاب الولايات، ومعناه محبوسون للحساب. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء. وأخرج مسلم عن أبي الطياح قال: كان لمطرف بن عبد الله امرأتان، فجاء من عند إحداهما، فقالت الأخرى: جئت من عند فلانة؟ فقال: جئت من عند عمران بن حصين، فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أقل ساكن الجنة النساء. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم وغرتهم؟ فقال الله عز وجل للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي. قال: ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ، فيضع قدمه عليها، وفي رواية: فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله، فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا. وللبخاري قال: اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم. فقال الله للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار من يشاء، ويلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها فتمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط قط. سقطهم وعجزهم بفتحات جمع ساقط وعاجز، وغرتهم رويت هذه الكلمة على ثلاثة أوجه: عجزتهم جمع عاجز، وهو كما تقدم، وغرثهم بغير معجمة وثاء مثلثة، أي فقراؤهم، والغرث الجوع، ورويت وغرتهم وهو الأشهر، أي غفلتهم، البله الغافلون الذين ليس بهم فطنة ولا حذق، ولا يفتنون للشبه، ولم توسوس لهم الشياطين، فهم أهل إيمان ثابت وعقائد صحيحة، وهم أكثر المؤمنين وأكثر أهل الجنة. أما أهل العلم والمعرفة فهم بالنسبة إليهم قليل، وهم أهل الدرجات. انتهى ملخصًا عن النووي وعياض رحمهما الله. وروي أكثر أهل الجنة البله، لكنه ضعيف لا يصح. وقولها قط قط بسكون الطاء بمعنى حسبي حسبي. قوله: وقالت النار، قال الحافظ في الفتح: كذا وقع هنا مختصرًا. قال ابن بطال: سقط قول النار هنا من جميع النسخ، وهو محفوظ في الحديث، وفي المطبوع من البخاري: وقالت النار يعني أوثرت بالمتكبرين.