الحديث رقم 413
نص الحلقة
في باب الحشر والشفاعة والحساب، أخرج الدارمي والترمذي وأبو يعلى بسند حسن عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل فيه، وفي رواية: ما فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن أبي مليكة أن عائشة كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نوقش الحساب عُذِّب. قالت عائشة: فقلت أليس يقول الله تعالى: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا وينقلب إلى أهله مسرورًا، فقال: إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك. وفي رواية: وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب. وفي أخرى قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس أحد يحاسب إلا هلك. قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداك، أليس الله تعالى يقول: فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا؟ قال: ذلك العرض تُعرضون، ومن نوقش الحساب هلك. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا. وأخرج البخاري ومسلم عن صفوان بن محرز اليماني. قال بينا ابن عمر يطوف إذ عرض رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب. وفي رواية يقول: أعرف رب، أعرف، مرتين، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأما الكافر والمنافقون فينادى على رؤوس الأشهاد، وفي رواية فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين. هذه رواية البخاري، ولمسلم نحوه، وقال في آخره: وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله. قوله النجوى هي المناجاة سرا، والمراد هنا المناجاة التي تقع من الرب سبحانه وتعالى يوم القيامة مع المؤمنين. قال الكرماني: أطلق على ذلك النجوى لمقابلة مخاطبة الكفار على رؤوس الأشهاد هناك، والأشهاد جمع شاهد أو جمع شهيد. قال المهلب: في الحديث تفضل الله على عباده بستره لذنوبهم يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم، بخلاف قول من أنفذ الوعيد على أهل الإيمان، لأنه لم يستثن في هذا الحديث ممن يضع عليه كنفه وستره أحدا إلا الكفار والمنافقين. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يستر الله على عبد في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة. طوَّب عليه مسلم بقوله: باب بشارة من ستر الله تعالى عيبه في الدنيا بأن يستر عليه في الآخرة. وقال النووي: قال القاضي يحتمل وجهين: أحدهما أن يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها في أهل الموقف، والثاني ترك محاسبته عليها وترك ذكرها. قال: والأول أظهر؛ لما جاء في الحديث الآخر يقرره بذنوبه، يقول: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة؟ قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة؟ قالوا: لا. قال: فوالذي نفسي بيده، لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. فيلقى العبد، فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب. فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب، آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: هاهنا إذن. ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. فيتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه. قوله: أيفل، معناه: يا فلان. وقوله: ترأس، أي تكون رئيسًا. وتربع، أي تأخذ المرباع، وهو ربع الغنيمة، كان يأخذه رؤساء الجاهلية، هكذا رواه الجمهور. وفي رواية ابن ماهان: ترتع بتاء مثناة، أي تتنعم وتلهو. وقوله: ليعذر من نفسه، يقال: أعذر فلان من نفسه إذا أمكن منها، مقرًّا بكثرة ذنوبه واستحقاقه العقوبة، وكأنه يعذر من عذبه، ويكون بفتح الياء: يعذر من عذرته، وهو بمعناه. وأخرج مسلم عن أنس قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: هل تدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه، فيقول: يا رب، ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى. فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا شاهدًا مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكنَّ وسحقًا، فعنكن كنت أُناضل. وأخرج أحمد والبزار وابن حبان والطبراني في الكبير والضياء، رحمهم الله، بسند حسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربعة يحتجون يوم القيامة. وفي روايةٍ أربعةٌ يوم القيامة يُدلون بحجة: رجلٌ أصم لا يسمع شيئًا، ورجلٌ أحمق، ورجلٌ هرم، ورجلٌ مات في فترة. فأما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار. فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يُسحب إليها. وفي رواية: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا. البعر بفتح العين وسكونها، رجيع الإبل والشاء والظباء، واحدته بعرة كتمرة وتمرة. وأخرج البخاري عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة. فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا. القنطرة هي الجسر. قال ابن حجر: قال الطيبي: أهدى لا يتعدى بالباء بل باللام أو إلى، فكأنه ضُمِّن معنى اللصوق بمنزله، هاديًا إليه، ونحوه قوله تعالى: يهديهم ربهم بإيمانهم، فالمعنى يهديهم ربهم بإيمانهم إلى طريق الجنة.