الحديث رقم 419

كتاب ذكر يوم القيامة · المدة 10:20 · المقطع 14 من 15

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب ذكر الجنة ونعيمها، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب. وفي رواية: كما تتراءون الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين. ولهما عن سهل بن سعد: إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما تتراءون الكوكب في السماء. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة مئة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة. قد سبق الحديث بطوله في كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد. وأخرج مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صائد: ما تربة الجنة؟ قال: درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم. قال: صدقت. وفي رواية أن ابن صياد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تربة الجنة، فقال: درمكة بيضاء مسك خالص. الدرمك: كل ما يُدَرْمَك حتى يكون دقاقًا من أي شيء، من الدقيق أو الكحل أو المسك أو غيرها. وكذلك التراب الدقيق درمك. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا. فذلك قوله عز وجل: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. قوله: ينادي منادٍ، أي في الجنة، وقيل إذا رآها من بعيد. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمون النفس. وفي رواية: بدل التحميد الحمد، وفي أخرى: التكبير. الجشاء: تنفس المعدة من الامتلاء، وقيل صوت مع ريح يخرج من الفم عند الشبع، والرشح هو العرق. وأخرج أحمد والدارمي. والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير بسند حسن عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: أتى النبي رجل من اليهود، فقال: يا أبا القاسم، ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، والذي نفس محمد بيده، إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع. فقال اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك، فإذا البطن قد ضمر. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوماً يحدث، وعنده رجل من أهل البادية، أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكنني أحب أن أزرع. قال: فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، فكان أمثال الجبال. فيقول الله سبحانه: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء. قال الأعرابي: يا رسول الله، والله لا تجده إلا قرشياً أو أنصارياً، فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها ستون ميلاً، وفي رواية: طولها ستون ميلاً. في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن. وفي رواية: فلا يرى بعضهم بعضا. وفي أخرى: الخيمة درة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلا. في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون. وأخرج مسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة، فتهب عليهم ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا. فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع في ظلها مئة عام ما يقطعها، واقرؤوا إن شئتم: وظل ممدود. ولهما نحوه عن سهل بن سعد، وللبخاري نحوه عن أنس بن مالك. والجواد هو الفرس السابق الجيد، والمضمر المدرب، وتضمير الخيل إطعامها وتدريبها حتى تكون أقوى وأسرع. وألفاظ الجواد المضمر السريع ضُبطت بالرفع في صحيح البخاري على أنها صفة للراكب، وضُبطت بنصب الثلاثة في صحيح مسلم على المفعولية. وأخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء، ولمسلم: رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن. وأخرج مسلم عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل. ثم تلا هذه الآية: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا. وأخرج مسلم عن عائشة قالت: توفي صبي، فقلت: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار. فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلًا وَلِهَذِهِ أَهْلًا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ. فَقَالَ: أَوَغَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ؟ إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنِ الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْقَطْعِ بِلَا دَلِيلٍ، أَوْ قَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: نَفَى بَعْضُهُمُ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ، بَلِ اخْتُلِفَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الرُّؤَى مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ. فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ.