الحديث رقم 414
نص الحلقة
باب حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة، فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا. قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، فلا يذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً. الفرط هو الذي يسبق القوم ليرتاد لهم الماء ويهيئه لهم. قال النووي، قال الإمام الباجي: قوله بل أنتم أصحابي ليس نفياً لأخوتهم، ولكن ذكر مرتبتهم الزائدة بالصحبة، فهؤلاء إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، كما قال الله تعالى: إنما المؤمنون إخوة. وقوله دهم، أي سود، وقوله بهم، أي لا يخالط سوادها لون آخر، وسحقاً سحقاً معناه بعداً بعداً، والمكان السحيق البعيد. وفيه جواز التمني، ولا سيما في الخير ولقاء الصالحين. وأخرج الشيخان عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم. قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال هكذا سمعت سهلًا يقول؟ فقلت: نعم. قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي. ولهما عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا فرطكم على الحوض. ولمسلم عن جابر بن سمرة نحوه. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني على الحوض أنظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي. وفي رواية: فأقول: أصحابي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم. ولمسلم عن عائشة مثله. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني. حتى إذا رأيتهم ورفعوا إليَّ، اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب، أصيحابي، أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وفي رواية: ليردن عليَّ ناس من أمتي. الحديث. وفي آخره فأقول: سحقًا لمن بدل بعدي. قوله: اختلجوا، أي جُذبوا وانتزعوا. وأخرج مسلم عن أم سلمة قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض، ولم أسمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان يومًا من ذلك، والجارية تمشطني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس. فقلت للجارية: استأخري عني. قالت: إنما دعا الرجال، ولم يدع النساء. فقلت: إني من الناس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لكم فرط على الحوض، فإياي لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول: سحقًا. يذب عني، أي يُدفع عني ويُذاد. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إليَّ رجال منكم، حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب، أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. ولمسلم عن حذيفة: ليردن على حوضي أقوام ثم يختلجون. فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي، أو قال من أمتي، فيحلؤون، وفي رواية: فيجلون عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى. وللبخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى النار والله. فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. ثم إذا زمرة أخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. قلت: إلى أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده، لَيُذَادُنَّ رجال عن حوضي كما تُذاد الغريبة من الإبل عن الحوض. ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله. قالوا: يا نبي الله، تعرفنا؟ قال: نعم. لكم سيمة ليست لأحد غيركم، تردون غرًّا محجلين من آثار الوضوء، ولا يصدن عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب، هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، فيقول: هل تدري ما أحدثوا بعدك؟ وفي أخرى له قال: إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه. قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذ؟ قال: نعم، لكم سيمة ليست لأحد من الأمم، تردون علي غرًّا محجلين من أثر الوضوء. قوله: يحلؤون، أي يطردون. والقهقرى: الرجوع إلى الخلف. وهمل النعم: ضوال الإبل، واحدها هامل، أي أن الناجي منهم قليل. وأيلة بفتح فسكون هي المدينة المعروفة على رأس خليج العقبة، وتسمى اليوم العقبة، وجانب منها يسمى أيلات. وقوله: سيمة، أي علامة، يمد ويقصر فيقال: سيمة وسيماء.