الحديث رقم 122
نص الحلقة
في باب وجوب الزكاة، أخرج مالك والشافعي والبيهقي في السنن بسند صحيح عن نافع أن ابن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. الحلي ما تتحلى به النساء، أي تتزين به من مصوغ المعادن، وجمعه حلي. قال الليث: ما كان من حلي يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرز من الزكاة ففيه الزكاة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين أن زكاة الحلي عاريته. وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني والبيهقي في السنن بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: هما لله ولرسوله. المسكة هي السوار، وجمعها مسك كبقرة وبقر. قال المباركفوري في مرعاة المفاتيح: قال الأمير اليماني: في المسألة أربعة أقوال: الأول وجوب الزكاة في الحلي عملاً بما روي في ذلك من الأحاديث. الثاني أنها لا تجب لآثار وردت عن السلف قاضية بعدم وجوبها، ولكن بعد صحة الحديث. لا أثر للآثار. الثالث أن زكاة الحلية عاريتها. الرابع أنها تجب مرة واحدة. رواه البيهقي عن أنس، قال: يزكي عاماً واحداً لا غير. وأظهر الأقوال دليلاً وجوبها، لصحة الحديث وقوته. وقال ابن حزم في المحلى: قد وجبت الزكاة بالنص في كل ذهب وفضة، فلا يجوز أن يقال إلا الحلي بغير نص في ذلك ولا إجماع. انتهى مختصراً. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على سارق. فقال: اللهم لك الحمد، على سارق. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على زانية. فقال: اللهم لك الحمد، على زانية. لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على غني. فقال: اللهم لك الحمد، على سارق وزانية وغني، فأُتي، فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله. قال النووي: فيه ثبوت الثواب في الصدقة وإن كان الآخذ فاسقاً أو غنياً، وهذا في صدقة التطوع، وأما الزكاة فلا يجزئ دفعها إلى غني. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود. والبيهقي في السنن بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن العاص بن وائل أوصى أن يعتق عنه مئة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، فأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى أن يعتق عنه مئة رقبة، وإن هشامًا أعتق عنه خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه لو كان مسلمًا فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه، بلغه ذلك. وفي رواية أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مئة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عمروًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفتن به فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس. وفي رواية: إنما المسكين الذي يتعفف، اقرأوا إن شئتم: لا يسألون الناس إلحافًا، يقال: ألحف عليَّ، وألحَّ عليَّ، وألحفاني بالمسألة، كلها بمعنى واحد. قال ابن حجر: لم يرد إخراجه من أسباب المسكنة كلها، وإنما أراد أن المسكين الكامل المسكنة. الذي لا يجد غنى يغنيه ويستحيي أن يسأل ولا يُفطن له. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أعطيكم ولا أمنعكم، إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت. وأخرج الشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني والبيهقي في السنن والبغوي بسند صحيح عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فيهما، وفي رواية: فينا، البصر وخفضه، فرآهما، وفي رواية: فرآنا، جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب. باب زكاة الفطر. أخرج الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل عبد أو حر، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى من المسلمين. فعدل الناس به نصف صاع من بر. قال: وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. قال ابن عمر: فجعل الناس عدله مدين من حنطة. قال مالك: كان ابن عمر يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة. وأخرج الشيخان عن أبي سعيد قال: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًّا أو معتمرًا، فكلم الناس على المنبر. فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ. الأَقِطُ هُوَ جُبْنُ اللَّبَنِ الْمُسْتَخْرَجُ زُبْدُهُ، وَالْمُدُّ مِلْءُ كَفَّيِ الإِنْسَانِ الْمُعْتَدِلِ، وَهُوَ رُبُعُ الصَّاعِ، وَالْمُدَّانِ نِصْفُ الصَّاعِ، وَسَمْرَاءُ الشَّامِ حِنْطَةُ الشَّامِ. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَمُوَافِقُوهُمْ فِي جَوَازِ نِصْفِ صَاعِ حِنْطَةٍ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ صَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ، وَيُجِيبُونَ عَنْ قَوْلِ مُعَاوِيَةَ بِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً وَأَعْلَمُ بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَنَرْجِعُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ، وَقَدْ وَجَدْنَا ظَاهِرَ الأَحَادِيثِ وَالْقِيَاسِ مُتَّفِقًا عَلَى اشْتِرَاطِ الصَّاعِ مِنَ الْحِنْطَةِ كَغَيْرِهَا، فَوَجَبَ اعْتِمَادُهُ. وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ حَضَرَهُ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ عِلْمٌ فِي مُوَافَقَةِ مُعَاوِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَذَكَرَهُ، كَمَا جَرَى لَهُمْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ.