الحديث رقم 127

كتاب الزكاة · المدة 9:24 · المقطع 8 من 12

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الترغيب في الصدقة والنفقة على الأقارب، أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة. وأخرج البخاري عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فأسرع، وأقبل يشق الناس حتى دخل بيته، فتعجب الناس من سرعته، ثم لم يكن بأوشك من أن خرج، فقال: ذكرت شيئا من تبر كان عندنا فكرهت أن يبيت عندنا فأمرت بقسمته. التبر هو الذهب والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فإذا ضربا كانا عينا. وأخرج البخاري عن معن بن يزيد بن الأخنس رضي الله عنهم قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبي وجدي، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فأعطانيها ولم يعرف، فأتيته بها، فقال: إني والله ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن. وأخرج مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: بينا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت. فَقَالَ: وَجَبَ أَجْرُكَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكَ الْمِيرَاثُ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّهَا كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ شَهْرَيْنِ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: صُومِي عَنْهَا. قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: حُجِّي عَنْهَا. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ، وَالْبَغَوِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلَاهُ يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ، إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِي مَنَعَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ. قَوْلُهُ: مَوْلَاهُ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْمَوْلَى فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، فَهُوَ الرَّبُّ وَالْمَالِكُ وَالسَّيِّدُ وَالْمُنْعِمُ وَالْمُعْتِقُ وَالنَّاصِرُ وَالْمُحِبُّ وَالتَّابِعُ وَالْجَارُ وَابْنُ الْعَمِّ وَالْحَلِيفُ وَالْعَقِيدُ وَالصِّهْرُ وَالْعَبْدُ وَالْمُعْتَقُ وَالْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُهَا قَدْ جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ، فَيُضَافُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ. قَوْلُهُمْ: مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ، أَيْ زَائِدًا عَنْ حَاجَتِهِ. وَالشُّجَاعُ هُوَ الْحَيَّةُ الذَّكَرُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: الْأَقْرَعُ الَّذِي ذَهَبَ شَعْرُ رَأْسِهِ مِنَ السُّمِّ. وَقَوْلُهُ: يَتَلَمَّظُ، أَيْ يُدِيرُ لِسَانَهُ فِي فَمِهِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قال كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى، ثم خطب، فقال: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. والآية التي في الحشر: اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد. تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة. قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تهلل كأنه مذهبة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. قوله مجتابي النمار أي لابسيها، وكل شيء قطع وسطه فهو مجوب ومجوب، وبه سمي جيب القميص، والنمار جمع نمرة. ويكل شملة مخططة من مآزر الأعراب، والمدهنة نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء من المطر، والمدهنة أيضًا ما جعل فيه الدهن، وقد جاء في بعض نسخ مسلم مذهبة، أي مموهة بالذهب. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال: أيها الناس تصدقوا. فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن، فإني أريتكن أكثر أهل النار. فقلن: لم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن. قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان عقلها. قال: أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من نقصان دينها. قال النووي: الطاعات تسمى إيمانًا ودينًا، فمن كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته نقص إيمانه ودينه. وقال القاري: فيه إشعار بأن فتنتهن عظيمة، تذهب بعقول الحازمين، فما ظنك بغيرهم. وقال ابن الجوزي في قوله: فرجل وامرأتان؛ لأنهن لو بلغن ما بلغن لم تجز شهادتهن إلا أن يكون معهن رجل. وقال القرطبي: جعل شهادة المرأتين مع الرجل جائزة في الأموال خاصة. بشرط أن يكون معهما رجل، وأجاز العلماء شهادةهن منفردات فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة، وشهادتهن في الحدود غير جائزة، وكذلك في النكاح والطلاق في قول أكثر العلماء، وقوله ذوي عدل منكم لا بد أن يكون الشهود ذكورًا، ولا خلاف فيه بين الأمة، وقوله ممن ترضون من الشهداء يدل على أن في الشهود من لا يرضى من الرجال والنساء، وقال عمر بن الخطاب: إنما جعل الله عز وجل الشهود أربعة سترًا ستركم به دون فواحشكم، وعلل بعض العلماء رد شهادتهن في الحدود بما رواه الترمذي وغيره عن عائشة: ادرؤوا الحدود ما استطعتم، وأجمع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات، وقال ابن تيمية في الفتاوى: لا ريب أن في النساء من هي أعقل من كثير من الرجال، حتى إن المرأة تكون شهادتها نصف شهادة الرجل، والمغفل ونحوه ترد شهادتهما بالكلية وإن لم يكن مجنونًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع، أكمل ممن لم يكمل من الرجال. وقال ابن باز: لا يلزم من هذا أن يكون نقص عقلها في كل شيء، ونقص دينها في كل شيء، وإنما هو من جهة ما قد يحصل من عدم ضبط الشهادة وتركها الصلاة والصوم، ولا يلزم منه أن تكون دون الرجل في كل شيء، نعم جنس الرجال أفضل من جنس النساء، لكن قد تفوقه أحيانًا في أشياء كثيرة. وكم من امرأة فوق كثير من الرجال في عقلها ودينها وضبطها، وقد تكثر منها الأعمال الصالحات، فتربو على كثير من الرجال في عملها الصالح وتقواها لله ومنزلتها في الآخرة، فلا ينبغي للمؤمن أن يرميها بالنقص في كل شيء، وضعف الدين في كل شيء، ينبغي حمل كلام النبي صلى الله عليه وسلم على خير المحامل وأحسنها.