الحديث رقم 129

كتاب الزكاة · المدة 7:25 · المقطع 10 من 12

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الترغيب في الصدقة والإنفاق على الأقارب، أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة لمن وهبت له. وفي رواية: أيما رجل أُعمر عمرى له ولعقبه فهي للذي أُعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث. وفي أخرى: من أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أُعمر وعقبه. وفي أخرى: أيما رجل أعمر رجلاً عمرى له ولعقبه فقال: قد أعطيتكها وعقبك ما بقي منكم أحد، فإنها لمن أُعطيها، وإنها لا ترجع إلى صاحبها؛ من أجل أنه أعطى عطاءً وقعت فيه المواريث. وفي أخرى قال: إنما العمرى التي أجازها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها. قال معمر: وكان الزهري يفتي به. وفي أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن أُعمر عمرى له ولعقبه فهي له بتلة، لا يجوز للمعطي فيها شرط ولا ثنيا. وفي أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العمرى جائزة. ولمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: العمرى ميراث لأهلها. وله في أخرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أُعمر حياً وميتاً ولعقبه. وله في أخرى قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسكوا عليكم أموالكم. وساق الحديث بمعناه. وفي أخرى له قال أبو الزبير الراوي عن جابر: أعمرت امرأة بالمدينة حائطًا لها ابنًا لها، ثم توفي وتوفيت بعده، وترك ولدًا، وله إخوة بنون للمعمرة. فقال ولد المعمرة: رجع الحائط إلينا. وقال بنو المعمر: بل كان لأبينا حياته وموته. فاختصموا إلى طارق مولى عثمان، فدعا جابرًا، فشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرى لصاحبها، فقضى بذلك طارق، ثم كتب إلى عبد الملك فأخبره بذلك، وأخبره بشهادة جابر، فقال عبد الملك: صدق جابر. فأمضى ذلك طارق، فإن ذلك لبني المعمر حتى اليوم. العمرى أن يقول: أعمرتك هذه الدار أو الأرض، أي جعلتها لك مدة عمرك، فإذا مت عادت لي. والرقبى أن يقول: وهبتها لك، فإن مت قبلي فهي لي، وإن مت قبلك فهي لك، فكل يرقب موت صاحبه. وكانوا يفعلونه في الجاهلية، وقوله: فهي له بتلة، أي ماضية مستمرة، لا ترجع للواهب. والثنيا أن يستثنى في عقد البيع شيء ما، وقيل هو أن يباع شيء جزافًا، فلا يجوز أن يستثنى منه شيء، قل أو كثر. قال ابن حجر: فيجتمع من هذه الروايات ثلاثة أحوال: أحدها أن يقول: هي لك ولعقبك، فهذا صريح في أنها للموهوب له ولعقبه. ثانيها أن يقول: هي لك ما عشت. فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَيَّ، فَهَذِهِ عَارِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ، فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي أَعْطَى، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَاحِبِ. ثَالِثُهَا أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَهَا وَيُطْلِقُ، فَحُكْمُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ حُكْمُ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى الْوَاحِبِ. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّافِعِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَرِثَ مِنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ دَارَهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَسْكَنَتْ فِيهَا بِنْتَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ مَعَ عَائِشَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ بِنْتُ زَيْدٍ قَابَضَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْمَسْكَنَ وَرَأَى أَنَّهُ لَهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا أَحَبَّ إِلَيَّ وَلَا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهَا، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا. فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. وَلِلْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره، فتصدق به عمر، فصدقته تلك في سبيل الله عز وجل، وفي الرقاب، والمساكين، والضيف، وابن السبيل، وذي القربى، ولا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف ويؤكل غير متمول به. قوله حبست أصلها الحبس الوقف، أي جعلته وقفًا. وقوله غير متمول فيه وغير متمول به، أي غير متخذ منها مالًا، أي مُلكًا. والمراد أنه لا يمتلك شيئًا من رقابها، وهو معنى غير متأثل، فإن المتأثل هو الذي يدخر المال ويقتنيه. وثمغ أرض تلقاء المدينة كانت لعمر، وقد ذكر أبو داود نص وصية عمر رضي الله عنه. وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، وكان من أصحاب الشجرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة. قال اللهم صل عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى.