الحديث رقم 130
نص الحلقة
باب الترهيب من المسألة، والترغيب في القناعة والتعفف. أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، والمزعة قطعة يسيرة من اللحم، كالنتفة من الشيء. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر. وأخرج أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان، والطبراني في الكبير، والحاكم، والبيهقي في السنن، بسند حسن، عن سهل بن الحنظلية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار. فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه، وفي رواية: أن يكون له شبع يوم وليلة. قال في المرقاة: قال الطيبي: يعني من كان له قوت هذين الوقتين لا يجوز له أن يسأل في ذلك اليوم صدقة التطوع، وأما في الزكاة المفروضة فيجوز للمستحق أن يسألها بقدر ما يتم به نفقة سنة له ولعياله وكسوتهما، لأن تفريقها في السنة مرة واحدة. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وأبو يعلى، والطبراني في الكبير، والحاكم، والبيهقي في السنن، والبغوي، بسند حسن، عن ابن مسعود رضي الله عنه. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نزلت به حاجة فأنزلها بالناس كان قمنًا من أن لا تسهل حاجته، ومن أنزلها بالله أتاه الله برزق عاجل أو بموت عاجل. وفي رواية: من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تُسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما بموت عاجل أو غنى عاجل. قوله بموت عاجل سيأتي في أشراط الساعة ذكر تمني الموت لفساد الدين أو لمصائب الدنيا، عند حديث: حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، سيأتي إن شاء الله. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن والبغوي بسند صحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك، إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدًا. الكدوح: الخدوش. قال في المرقاة: ذا سلطان أي ذا حكم وملك بيده بيت المال، فيسأل حقه فيعطيه منه إن كان مستحقًا. قال الطيبي: واختلف في عطية السلطان، والصحيح أنه إن غلب في يده الحرام من ذلك الجنس لم تحل، وإلا حلت. واعتمده النووي في شرح مسلم. لكنه بالغ في رده في شرح المهذب، فكره ذلك سؤالًا وأخذًا، وقد اختلف السلف في قبول عطاء السلطان، فمنعه قوم وأباحه آخرون، وقوله: أو في أمر لا يجد منه بدًّا، أي لا يجد علاجًا آخر غير السؤال، كما في الحمالة والجائحة والفاقة، بل يجب حال الاضطرار في العري والجوع. وأخرج مسلم عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج له مسألته مني شيئًا وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته. وفي رواية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما أنا خازن، فمن أعطيته عن طيب نفس فمبارك له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشره كالذي يأكل ولا يشبع. قال النووي: قوله لا تلحفوا في المسألة هكذا في بعض الأصول، وفي بعضها بالمسألة، وكلاهما صحيح، والإلحاف: الإلحاح، والشره: أسوأ الحرص، وهو غلبة الحرص، يقال: شره فلان إلى الطعام يشره شرهًا إذا اشتد حرصه عليه. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس خير من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه. زاد مسلم. فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي. وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي. وَيَقُولُ لِابْنِهِ: أَطْعِمْنِي إِلَى مَنْ تَدَعُنِي. فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَا، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: عَنْ ظَهْرِ غِنًى، أَيْ زَائِدًا، كَأَنَّهُ يُطْرَحُ خَلْفَ الظَّهْرِ. وَقَوْلُهُ: تَرَكَ غِنًى، أَيْ أَبْقَى غِنًى لِلْمُتَصَدِّقِ. وَقِيلَ: أَغْنَى الْفَقِيرَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَوْلُهُ: مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِكَسْرِ أَوَّلِهِ لِلْأَكْثَرِ، أَيْ مِنْ وِعَائِهِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: مِنْ كَيْسِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَيْ مِنْ فِقْهِهِ وَفَهْمِهِ لِلْحَدِيثِ، وَالَّذِي مِنْ كِيسِهِ هُوَ قَوْلُهُ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ... إِلَى آخِرِهِ، كَمَا جَاءَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَجَاءَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَقُولُ امْرَأَتُكَ... إِلَى آخِرِهِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا قد بايعناك يا رسول الله. ثم قال: ألا تبايعون رسول الله؟ فبسطنا أيدينا، وقلنا قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس، وتطيعوا، وأسر كلمة خفية، ولا تسألوا الناس شيئًا. قال عوف: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط صوت أحدهم فما يسأل أحدًا يناوله إياه. وأخرج البخاري ومسلم عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا. فكان أبو بكر يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبى أن يقبل منه، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. فلم يرزأ حكيم أحدًا من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى توفي. قوله خضرة، الخضرة هي الناعمة الطرية، وقوله لا أرزأ أحدًا شيئًا أي لا آخذ منه شيئًا. وأخرج مسلم عن قبيصة بن مخارق رضي الله عنه قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها. ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش. فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتًا. الحمالة كل ما يحمل، ومنه ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، وقوله قوامًا وسدادًا بالكسر، وما يقوم بحاجته ويسدها، والسحت هو الحرام.