الحديث رقم 231
نص الحلقة
في كتاب البيوع وما نهي عنه منها، أخرج مسلم رحمه الله عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أخاه لأبيه وأمه. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد. فقال له طاووس: ما قوله لا يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارًا. بوّب عليه البخاري بقوله: باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ وهل يعينه أو ينصحه؟ قال ابن بطال: أراد المصنف أن بيع الحاضر للباد لا يجوز بأجر، ويجوز بغير أجر. وقال ابن المنير وغيره: حمل المصنف النهي على البيع بالأجر، أخذًا من تفسير ابن عباس، وقوّى ذلك بعموم أحاديث الدين النصيحة، وحمل عطاء ومجاهد النهي على كراهة التنزيه، وتمسك به أبو حنيفة. وعند الجمهور أن بيع الحاضر للباد مستثنى من عموم حديث الدين النصيحة. وجمع البخاري بينهما بما ذُكر من أخذ الأجرة وعدم أخذها. قال ابن حجر: لأنه إذا أخذ الأجرة لم يكن غرضه النصح. وَإِنَّمَا غَرَضُهُ مَصْلَحَتُهُ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ. الْجَلَبُ: مَنْ يَجْلِبُونَ بَضَائِعَهُمْ إِلَى الْأَسْوَاقِ، وَهُوَ أَيْضًا الْمَجْلُوبُ مِمَّا حَلٍّ إِلَى مَحَلٍّ غَيْرِهِ لِيُبَاعَ فِيهِ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّجْشِ. النَّجْشُ أَنْ يَزِيدَ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ لَا رَغْبَةً فِيهَا، بَلْ لِيَغُرَّ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ وَيَشْتَرِيَهَا. وَأَصْلُ النَّجْشِ الْبَحْثُ وَاسْتِخْرَاجُ الشَّيْءِ وَاسْتِثَارَتُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ، وَالْإِثْمُ مُخْتَصٌّ بِالنَّاجِشِ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ، فَإِنْ وَاطَأَهُ عَلَى ذَلِكَ أَثِمَا جَمِيعًا، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَائِعِ مُوَاطَأَةٌ. وَكَذَا إِنْ كَانَتْ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي الِاغْتِرَارِ. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ: تَفْسِيرُهَا أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَهَا بِمِائَةٍ إِلَى سَنَةٍ. على أن أشتريها منك بثمانين حلة، فإما أن يأخذ أوكسهما، أي أنقصهما، أو يأخذ الزائد فيقع في الربا. وأخرج أحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، وعن بيع وسلف، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما ليس عندك. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك. قوله: ربح ما لم يضمن، أي يبيعه بربح سلعة قد اشتراها ولم يكن قبضها، فلا يصح البيع ولا يحل الربح؛ لأنها في ضمان البائع الأول لا ضمان الثاني، فربحها وخسارتها للأول. وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن رجلاً ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يُخدع في البيوع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من بايعت فقل لا خِلابة، وكان إذا بايع قال: لا خِلابة. قوله: لا خِلابة، أي لا خديعة. قال في المرقاة: قال أحمد: من قال ذلك في بيعه كان له الرد إذا غُبن. والجمهور على أنه لا رد له مطلقاً. والمقصود التنبيه على أنه ليس من أهل البصيرة، فيحترز صاحبه عن مظان الغبن. ويرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس أحقاء برعاية الإخوان في ذلك الزمان. وقال ابن حجر: والذي يظهر أنه وارد مورد الشرط، أي إن ظهر في العقد خداع فهو غير صحيح. وقال المهلب: ولا يدخل في الخداع المحرم الثناء على السلعة والإطناب في مدحها، فإنه متجاوز عنه ولا ينتقض به البيع. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن والضياء المقدسي رحمهم الله جميعًا بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا كان يبتاع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عقدته يعني عقله ضعف، فأتى أهله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، احجر على فلان، فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فنهاه، فقال الرجل: إني لا أصبر عن البيع. فقال: إن كنت غير تارك للبيع فقل: هاء وهاء، ولا خلابه. هاء اسم فعل بمعنى خذ. قال تعالى: هاؤم اقرؤوا كتابيه، أي خذوا كتابي واقرؤوه لتعلموا فوزي. وقيل: هاء وهاء معناه هاك وهاتي، أي خذ وأعط. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في السوق على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللًا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله. قال أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس؟ من غشنا فليس منا. وفي رواية: من غش فليس مني. الصبرة هي الكومة المجموعة من الطعام، وقوله أصابته السماء أي المطر. قال النووي: قوله فليس منا قيل هو محمول على المستحل بغير تأويل فيكفر ويخرج من الملة، وقيل معناه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا. وكان سفيان بن عيينة رحمه الله يكره قول من يفسره بليس على هدينا، ويقول: بئس هذا القول، يعني بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. وأخرج مسلم عن سعيد بن المسيب أن معمر بن أبي معمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من احتكر فهو خاطئ. قيل لسعيد: فإنك تحتكر. فقال: إن معمراً الذي كان يحدث بهذا الحديث كان يحتكر. الاحتكار ادخار السلع لتغلو ثم تباع، والخاطئ من تعمد الخطأ، والمخطئ من لم يتعمده. قال النووي: الاحتكار المحرم هو في الأقوات خاصة، بأن يشتري الطعام في وقت الغلاء ولا يبيعه في الحال بل يدخره ليغلو، فأما إذا جاء من قريته أو اشتراه في وقت الرخص وادخره وباعه في وقت الغلاء فليس باحتكار ولا تحريم فيه، وأما غير الأقوات فلا يحرم الاحتكار فيها بكل حال. قال: وأما ما ذكر عن سعيد ومعمر أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر وآخرون: إنما كانا يحتكران الزيت. وحمل الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه، والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون، وهو الصحيح. انتهى. وقال القاري: واستدل مالك بعموم الحديث على أن الاحتكار حرام من المطعوم وغيره.