الحديث رقم 242
نص الحلقة
في باب البيوع، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: كنا أكثر الأنصار حقلًا، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورق فلم ينهنا. وفي رواية قال: فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ. وفي رواية قال: أتاني ظهير، فقال: لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان بنا رافقًا. فقلت: وماذاك؟ ما قال رسول الله فهو حق. قال: سألني: كيف تصنعون بمحاقلكم؟ فقلت: نؤاجرها يا رسول الله على الربيع أو الأوسق من التمر أو الشعير. قال: فلا تفعلوا، ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها. قال رافع: قلت: سمعًا وطاعة. وفي رواية عن رافع أن عميه، وكانا قد شهدا بدرًا، أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع. وفي رواية عن نافع أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، وصدراً من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل عليه وأنا معه، فسأله، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر، وقال: كنا نكري أرضنا، ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج. ولمسلم عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به. إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الماذيانات وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه. فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به. وفي أخرى له: عن رافع بن خديج عن رجل من عمومته قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا. نهانا أن نحاقل الأرض، فنكريها على الثلث والربع والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزرعها، وكره كراءها وما سوى ذلك. وللبخاري قال رافع: حدثني عمي أنهما كانا يكريان الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ينبت على الأربيعاء، أو بشيء يستثنيه صاحب الأرض. قال: فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. قال: فقلت لرافع: كيف هي بالدينار والدرهم؟ قال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم. وقال الليث بن سعد: وكان الذين نهى عنهم من ذلك ما لو نظر فيه ذو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه، لما فيه من المخاطرة. قوله: نكري أرضنا، أي نؤجرها. والماذيانات: الأنهار الكبار، واحدها ماذيان، واللفظة غير عربية. وأقبال الجداول: أوائلها وما استقبلك منها. والجدول هو النهر الصغير، وهو الربيع أيضًا، ويجمع على أربعاء كنبي وأنبياء، والمراد ما ينبت عليها من العشب، ويجمع على ربعان كصبي وصبيان. وعما رافع هما ضهير ومظهر ابن رافع رضي الله عنهما. وقوله نؤاجرها على الربيع، هكذا هو في معظم النسخ: الربيع، وهو الساقية والنهر الصغير، وحكى القاضي عن رواية ابن ماهان: الربع، بضم الراء وبحذف الياء، وهو أيضًا صحيح. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أرض وهي تهتز زرعًا، فقال: لمن هذه؟ فقالوا: اكتراها فلان. فقال: لو منحها إياه كان خيرًا له من أن يأخذ عليها أجرًا معلومًا. وفي رواية أن مجاهدًا قال لطاووس: انطلق بنا إلى ابن رافع ابن خديج، فاسمع منه الحديث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فانتهره، وقال: إني والله لو أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه ما فعلته، ولكن حدثني من هو أعلم به منهم، يعني ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنحن أحدكم أخاه أرضه، خير له من أن يأخذ عليها خرجًا معلومًا. وأخرج مسلم عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا بأس بها. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض لما ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكم نقركم بها على ذلك ما شئنا، فقروا بها حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحا. زاد مسلم: وكانت الثمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، فيأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس. وفي رواية لهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وسق، ثمانين وسقًا من تمر وعشرين وسقًا من شعير. فلما ولي عمر وقسم خيبر، خيَّر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن الأرض والماء أو يضمن لهن الأوساق في كل عام، فاختلفن، فمنهن من اختار الأرض والماء، ومنهن من اختار الأوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء. سبق أول حديث في باب تعريف الإسلام ولوازمه، وسميت مؤاجرة الأرض مخابرة أخذًا من هذا، أي كما عمل مع أهل خيبر. وهذه الأحاديث الثلاثة الأخيرة، حديث ابن عباس وثابت بن الضحاك وابن عمر، هي حجة من يقول إن النهي عن كراء الأرض نهي إرشاد وتنزيه لا نهي تحريم. جمعا بين أحاديث الباب، والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. باب الشفعة. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. هذه رواية البخاري، ولمسلم قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم، ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، وإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به. الربعة والربع: الدار والمسكن ومطلق الأرض، وجمعه رباع كجفنة وجفان. وفي الحديث: هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ قال النووي: أجمع المسلمون على ثبوت الشفعة للشريك في العقار ما لم يقسم، واتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقول، أما المقسوم فهل تثبت فيه الشفعة بالجوار؟ فيه خلاف. مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء لا تثبت بالجوار، وقوله: فمن كان له شريك يتناول المسلم والكافر والذمي، فتثبت الشفعة للجميع، هذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور. وقال الشعبي والحسن وأحمد رضي الله عنهم: لا شفعة للذمي على المسلم. وقوله: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه محمول عند أصحابنا على الندب، وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه وليس بحرام. واختلف العلماء فيما لو أعلمه بالبيع فأذن، فباع ثم أراد الشريك أن يأخذ بالشفعة، فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة له ذلك، وقال آخرون ليس له، وعن أحمد روايتان.