الحديث رقم 234
نص الحلقة
لم نزل في كتاب البيوع وما نُهِيَ عنه منها. أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعاً أن يبيعه بكيل طعام. نهى عن ذلك كله. وفي رواية: نهى عن المزابنة. قال: والمزابنة أن يباع ما في رؤوس النخل بتمر مسمى، إن زاد فلي، وإن نقص فعلي. زاد مسلم: وعن كل ثمر بخرصه. سيأتي في باب حفظ اللسان إن شاء الله النهي عن تسمية العنب كرماً، فيجمع بينهما بحمل النهي على التنزيه، ويكون ذكره هنا لبيان الجواز، وهذا كله بناء على أن تفسير المزابنة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. أما على تقدير كونه موقوفاً فلا حجة على الجواز، فيحمل النهي على حقيقته. وأخرج البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضرت تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: إما لا. فَلَا تَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ. كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم. قوله جَدَّ الناس، أي صار منخلهم. والدمان بفتح الدال وضمها وتخفيف الميم عفن يسود الثمرة، والمراض داء يهلكها، والقشام انتقاص ثمر النخل قبل أن يصير بلحًا. قال ابن حجر: اختلف السلف في معنى بدو صلاحها، فقيل المراد به جنس الثمار، فإذا بدا الصلاح في بستان من البلد جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وقيل لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة، وقيل في كل جنس على حدة، وقيل في كل شجرة. ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح؛ لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهار من غير اشتراط تكامله، مع حصول المعنى وهو الأمن من العاهة، انتهى ملخصًا. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر. ورخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ونهى البائع والمبتاع. وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهته. ولمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو. وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري. وفي أخرى له: لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، وتذهب عنه الآفة. قال: يبدو صلاحه حمرته وصفرته. قوله: حتى يزهو، أي يحمر أو يصفر. يقال: زها النخل إذا لون بحمرة أو صفرة، والزهو هو البسر الملون، والنبات الناضر، والمنظر الحسن، والزهو أيضًا هو الكبر والفخر، وليس المراد هنا. وأخرج الشيخان عن عطاء عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المخابرة والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمرة حتى تطعم. وفي رواية: وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وأن لا يباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا. زاد مسلم قال عطاء: فسر لنا جابر. قال: أما المخابرة فالأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل فينفق فيها ثم يأخذ من الثمر. وزعم أن المزابنة بيع الرطب في النخل بالتمر كيلاً، والمحاقلة في الزرع على نحو ذلك، يبيع الزرع القائمة بالحب كيلاً. قوله: حتى تطعم، أي يكون لها طعم، وتصير طعامًا يطيب أكلها، وإنما حُرمت تلك البيوع للجهالة فيها. قال ابن حجر: قوله: ولا يباع إلا بالدينار والدرهم، قال ابن بطال: إنما اقتصر على الذهب والفضة. لأنهما جل ما يتعامل به الناس، وإلا فلا خلاف بين الأمة في جواز بيعه بالعروض، يعني بشرطه. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر. وفي رواية: رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً، يأكلونها رطباً. قال يحيى بن سعيد: والعرية النخلة تجعل للقوم، فيبيعونها بخرصها تمراً. وقال في أخرى: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطباً بخرصها تمراً. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق. شك داود بن الحصين: في خمسة أو دون خمسة. الأوسق جمع وسق، والوسق ستون صاعاً. قال ابن حجر: لو زاد في صفقة على خمسة أوسق فإن البيع يبطل. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي البختري قال: سألت ابن عباس عن بيع النخل، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يؤكل منه، أو يؤكل، وحتى يوزن. قال فقلت: ما يوزن؟ فقال: رجل عنده يُحْزَر. قوله: حتى يؤكل منه أو يؤكل، معناه حتى يصلح لأن يؤكل في الجملة. وقوله يُحْذَر بتقديم الزاي المعجمة، أي يُخرَص، والحزر والخرص هو التقدير. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهو، فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر. قال: أرأيت إن منع الله الثمرة، بمَ تستحل مال أخيك؟ وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لم يثمرها الله، فبمَ تستحل مال أخيك؟ وأخرج البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع الثمرة حتى تشقح. قيل: وما تشقح؟ قال: تحمار وتصفار، ويؤكل منها. وأخرج مسلم رحمه الله عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا. بمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟ وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح. اختلف العلماء في الثمرة إذا بيعت بعد بدو الصلاح وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها، ثم تلفت قبل أوان الجداد بآفة سماوية، هل تكون من ضمان البائع أو المشتري؟ فقال أحمد وجماعة من أصحاب الحديث: هو لازم يوضع بقدر ما هلك. وقال مالك: يوضع في الثلث فصاعدًا. أي إذا كانت الجائحة دون الثلث فهو من مال المشتري، وإن كانت أكثر فمن مال البائع، وعند عامة الفقهاء أن الأمر بوضع الجوائح أمر ندب واستحباب.