الحديث رقم 239
نص الحلقة
أخرج البخاري رحمه الله في باب البيوع عن أبي البختري قال: سألت ابن عمر عن السلم في النخل، والسلم هو السلف، وزنًا ومعنى، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يصلح، ونهى عن بيع الورق نساءً بناجز. وسألت ابن عباس عن السلم في النخل، فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يؤكل منه، أو يأكل منه، وحتى يوزن. وفي رواية قال: سألت ابن عمر عن السلم في النخل، فقال: نهى عن بيع الثمر حتى يصلح، ونهى عن الذهب بالورق نساءً بناجز. وسألت ابن عباس، فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يؤكل منه، وحتى يوزن. فقال الرجل: وأي شيء يوزن؟ قال: الرجل إلى جانبه حتى يُحزر. وفي رواية: يُحرز. قوله: نساءً بناجز، أي معجلًا بحاضر. وقوله: أي شيء يوزن، أي لأنه لا يمكن وزن الثمرة التي على النخل. وقوله: يُحزر، أي يُقدر كيله، ويُحرز أي يُحفظ ويُصان. وأخرج مسلم عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة قال لمروان بن الحكم: أحللت بيع الربا. فقال: ما فعلت. قال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يُستوفى. فخطب مروان فنهى عن بيعه. قال سليمان بن يسار: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس. وفي رواية مختصرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله. الصكاك جمع صك، وهو كتاب فيه حق مالي، وكانوا يكتبون للناس بأرزاقهم في تلك الصكوك، فيبيعونها قبل قبضها، ويعطون المشتري الصك، فمنعوا من ذلك. وأخرج مالك والشافعي والبيهقي في السنن بسند صحيح عن نافع عن ابن عمر أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة. وأخرج البخاري عن أبي بردة قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام، فقال: انطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصلي في مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم. فانطلقت معه، فسقاني سويقًا وأطعمني تمرًا، وصليت في مسجده. ثم قال لي: إنك بأرض الربا فيها فاش، فإذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه، فإنه ربا. السويق طعام يتخذ مما دقوق الحنطة والشعير، وقوله: إنك بأرض، هي أرض العراق، والقت علف الدواب. قال ابن حجر: قوله فإنه ربا يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وإلا فالفقهاء على أنه إنما يكون ربا إذا شرطه، ولكن الورع تركه بلا شك. باب الرهن والقرض والسلم. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعامًا بنسيئة. وأعطاه درعًا له رهنًا، وفي رواية: اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا له من حديد. قال النووي: فيه جواز معاملة أهل الذمة، وجواز الرهن، وجواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة، وجواز الرهن في الحضر، وبه قال الأئمة الأربعة، والعلماء كافة، وقد أجمع المسلمون على جواز معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار إذا لم يتحقق تحريم ما معه، لكن لا يجوز للمسلم أن يبيع أهل الحرب سلاحًا وآلة حرب، ولا يستعين به في إقامة دينهم، ولا بيع مصحف، ولا العبد المسلم لكافر مطلقًا. وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة. قوله: الرهن، أي المرهون، ولبن الدر، أي لبن ذات الدر. قال ابن حجر: فيه حجة لمن قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته، ولو لم يأذن له المالك، وهو قول أحمد وإسحاق وطائفة، وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء. وتأول الحديث لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين: أحدهما التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء. يرده أصول مجمع عليها، وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر: لا تُحلب ماشية امرئ بغير إذنه، والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، والإسلاف ويقال السلف هو إعطاء الثمن في الحال وأخذ السلعة بعد، والسلم والسلف واحد كما تقدم، إلا أن السلف يطلق على القرض أيضًا. قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال لهم: من سلف في تمر، وفي رواية: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم، وفي أخرى: ووزن معلوم. وأخرج البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: اختلف عبد الله بن شداد بن الهاد وأبو بردة في السلف، فبعثوني إلى ابن أبي أوفى فسألته، فقال: إنا كنا نسلف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزبيب والتمر، وسألت ابن أبزى فقال مثل ذلك. وفي رواية فقال ابن أبي أوفى: إنا كنا نسلف أهل الشام في الحنطة والشعير والزبيب في كيل معلوم إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ فقال: ما كنا نسألهم عن ذلك. قال ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى فسألته، فقال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسلفون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نسألهم: ألهم حرث أم لا. وأخرج مسلم عن أبي رافع قال: استسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بكرًا بمثله، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال صلى الله عليه وسلم: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء. البكر هو الصغير من الإبل، والأنثى بكرة، والرباع والرباعي ما استكمل ست سنين ودخل في السابعة، والأنثى رباعية. قال النووي: فيه جواز الاقتراض والاستدانة، واستحباب القضاء بأجود، وإنما اقترض النبي صلى الله عليه وسلم للحاجة، وكان يستعيذ بالله من المغرم، وهو الدين، وفيه جواز اقتراض الحيوان، وقوله: من إبل الصدقة هذا مما يستشكل، فيقال: كيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه الغريم، مع أن الناظر في الصدقات لا يجوز تبرعه منها؟ والجواب أنه صلى الله عليه وسلم اقترض لنفسه، فلما جاءت إبل الصدقة اشترى منها بعيرًا رباعيًا ممن استحقه، فملكه النبي صلى الله عليه وسلم بثمنه، وأوفاه متبرعًا بالزيادة من ماله، ويدل على ما ذكرناه رواية أبي هريرة الآتية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اشتروا له سنًا. فهذا هو الجواب المعتمد، وقد قيل فيه أجوبة غيره.