الحديث رقم 232

كتاب البيوع · المدة 9:51 · المقطع 2 من 13

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

لم نزل في كتاب البيوع وما نهي عنه منها. أخرج الشيخان رحمهما الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام. ثم قال صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه. قوله: يستصبح بها الناس، أي يشعلون بها مصابيحهم وسروجهم. وقوله: جملوه، وفي رواية: أجملوه، أي أذابوه. يقال: جمل الشيء، أي جمعه. والجميل الشحم يذاب ثم يجمل، أي يجمع. قال القاضي: تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه، ولا يحل أكل ثمنه، كما في الشحوم المذكورة في الحديث. وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والطبراني في الكبير والبيهقي في السنن بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا عند الركن، فرفع بصره إلى السماء فضحك، وقال: لعن الله اليهود ثلاثًا، إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله عز وجل إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت الآيات من أواخر سورة البقرة في الربا، قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس في المسجد، ثم حرم التجارة في الخمر. وفي رواية: فقال: حُرِّمت التجارة في الخمر. وأخرج الشيخان عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. مهر البغي أجرة الزانية، وحلوان الكاهن ما يُعطاه على كهانته. قال النووي: وهما حرام بإجماع المسلمين، وكذا أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء والنائحة للنوح. أما النهي عن ثمن الكلب وكونه من شر الكسب، وكونه خبيثًا كما سيأتي في حديث رافع بن خديج، فيدل على تحريم بيعه، وأنه لا يصح بيعه ولا يحل ثمنه، ولا قيمة على متلفه، سواء كان معلمًا أم لا، وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أم لا. وبهذا قال جماهير العلماء، وخالف بعض العلماء في بيع الكلاب التي فيها منفعة ككلب الصيد. وأخرج مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب والسنور. السنور هو الهر. قال النووي: النهي عن ثمن السنور محمول على أنه لا ينفع، أو على أنه نهي تنزيه، حتى يعتاد الناس هبته وإعارته، فإن كان مما ينفع. وباعه صح البيع، وكان ثمنه حلالًا، هذا مذهب العلماء كافة، وحكي عن بعض العلماء أنه لا يجوز بيعه. وأخرج مسلم عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام. وفي رواية: مهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث، وكسب الحجام خبيث. وأخرج البخاري عن عون بن أبي جحيفة السوائي قال: رأيت أبي اشترى عبدًا حجامًا، فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألته عن ذلك، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب الأمة. وفي رواية: كسب البغي، ولعن الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، والمصورين. قال ابن حجر: المراد به كسبها بالزنا لا بالعمل المباح. وقد روى أبو داود من حديث رفاعة بن رافع مرفوعًا: نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها. وله من حديث رافع بن خديج مرفوعًا: نهى عن كسب الأمة حتى يُعلم من أين هو. وقيل: المراد به جميع كسبها من باب سد الذرائع؛ لأنها لا تؤمن إذا أُلزمت بالكسب أن تكسب بفرجها، فالمعنى أن لا يُجعل عليها خراج معلوم تؤديه كل يوم. وأخرج البخاري ومسلم عن حميد الطويل قال: سئل أنس عن أجر الحجام، فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم. حجمه أبو طيبة، وأعطاه صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه. وفي رواية كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم ولم يكن يظلم أحدًا أجره. وأخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم عبد لبني بياضة، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم أجره، وكلم سيده فخفف عنه من ضريبته، ولو كان سحتًا لم يعطه النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن حجر: اختلف العلماء في كسب الحجام، فذهب الجمهور إلى أنه حلال، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا هو كسب فيه دناءة وليس بمحرم، فحملوا الزجر عنه على التنزيه، ومنهم من ادعى النسخ، وأنه كان حرامًا ثم أبيح، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. وجمع ابن العربي بين قوله صلى الله عليه وسلم: كسب الحجام خبيث، وبين إعطائه الحجام أجرته، بأن محل الجواز ما إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، ويحمل الزجر على ما إذا كان على عمل مجهول. وأخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ. وفي رواية: لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ. الكلأ هو العشب مطلقًا رطبًا ويابسًا، ورطبه يسمى الخلا، ويابسه يسمى الحشيش. قال ابن حجر: هو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة. والمعنى أن يكون حول البئر كلأ ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا تمكنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر، فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي، فيجب على مالك البئر بذل ما يفضل عن حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته. وقال النووي: فيجب عليه بذل هذا الماء للماشية بلا عوض، ويحرم عليه بيعه. وسيأتي في آخر الباب إن شاء الله الوعيد الشديد لمن منع فضل الماء. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه، وفي رواية: حتى يقبضه. قال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه، وفي رواية: حتى نبلغ به سوق الطعام، وفي أخرى قال: كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام، وفي أخرى: كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه، وفي أخرى قال: رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا الطعام جزافًا يضربون أن يبيعوه في مكانه حتى يؤووه إلى رحالهم. وفي روايةٍ يحوِّلوه. الجِزاف بكسر الجيم وضمها وفتحها ثلاث لغات، والكسر أفصح وأشهر، هو البيع بلا كيل ولا وزن ولا تقدير. وفي الحديث جواز بيع الصبرة جزافًا، وأن من اشترى طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه. قال ابن حجر: وبه قال الجمهور، لكنهم لم يخصوه بالجزاف ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال. أما الأول فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، فدخل فيه المكيل. وأما الثاني فلأن الإيواء إلى الرحال خرج مخرج الغالب، وقوله: يضربون إذا باعوه يعني قبل قبضه، وهذا دليل على أن ولي الأمر يعزر من تعاطى بيعًا فاسدًا، ويعزره بالضرب وغيره مما يراه من العقوبات.