الحديث رقم 148
نص الحلقة
في باب صفة الحج، أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج، فنزلنا بسرف، فخرج إلى أصحابه فقال: من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا. قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوة، وكان معهم الهدي، فلم يقدروا على العمرة، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا هنتاه؟ قلت: سمعت قولك لأصحابك، فمنعت العمرة. قال: وما شأنك؟ قلت: لا أصلي. قال: فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكوني في حجك، فعسى الله أن يرزقك إياها. قالت: فخرجت في حجتي حتى قدمنا منى، فطهرت ثم خرجت من منى، فأفضت بالبيت، ثم خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب، ونزلنا معه، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة، ثم افرغا ثم ائتيا هاهنا، فإني أنظركما حتى تأتيا. فخرجنا، حتى إذا فرغت من الطواف جئته بسحر، فقال: هل فرغتم؟ قلت: نعم. فأذن بالرحيل في أصحابه، فارتحل الناس، فمر متوجها إلى المدينة، فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة. وفي رواية قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج. حتى جئنا سرف، فطمثت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: والله لوددت أني لم أكن خرجت العام. فقال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قلت: نعم. قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. فلما قدمت مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها عمرة، فأحل الناس إلا من كان معه الهدي. قالت: فكان الهدي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة، أي الغنى. ثم أهلوا حين راحوا، فلما كان يوم النحر طهرت، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفضت، فأتينا بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر. فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر فأردفني على جمله. قالت: فإني لأذكر وأنا حديثة السن أنعس، فيصيب وجهي مؤخرة الرحل، حتى جئنا إلى التنعيم، فأهللنا منها بعمرة جزاء بعمرة الناس التي اعتمروا. وفي أخرى قالت: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج، فقدمنا مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى يحل نحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه. قالت فحضت، فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة، ولم أهل إلا بعمرة، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي وأمتشط، وأهل بالحج وأترك العمرة، ففعلت ذلك حتى قضيت حجي، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر، فأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم التي أدركني الحج ولم أحلل منها. وفي أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا. فقدمت مكة وأنا حائض، ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة. قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك. قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا. وفي أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة. قالت عائشة: فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج. وأهلَّ به ناس معه، وأهلَّ معه ناس بالعمرة والحج، وأهلَّ ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلَّ بعمرة، فحضت قبل أن أدخل مكة، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر نحو ما سبق، وقال في آخره: فقضى الله حجها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم. وفي أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. وفي أخرى قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدي إذا طاف بالبيت وبين الصفا والمروة أن يحل، فحل من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن الهدي فأحللن. قالت: فحضت فلم أطف بالبيت، فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بحجة وعمرة وأنا أرجع بحجة؟ قال: أوما كنت طفت ليالي قدمنا مكة؟ قلت: لا. قال: فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة، ثم موعدك مكان كذا وكذا. وفي أخرى قالت: قلت: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد؟ قال: انتظري، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه، ثم ائتي مكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك. قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه. وفي رواية: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسائه بالبقر. هذه روايات البخاري ومسلم. وللبخاري قالت: منا من أهل بالحج مفردًا، ومنا من قرن، ومنا من تمتع. ولمسلم قالت: فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان، فقلت: من أغضبك أدخله الله النار. قال: أوَما شعرتِ أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون؟ ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا. وفي أخرى له أنها قالت: يا رسول الله، أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن ينطلق بها إلى التنعيم. قالت: فأردفني خلفه على جمل له، فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي، فيضرب رجلي بعلة الراحلة، فقلت له: وهل ترى من أحد؟ قالت: فأهللت بعمرة، ثم أقبلنا حتى انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحصبة. وفي أخرى له فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر: يسعك طوافك لحجك وعمرتك. فأبت، فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج. ولأبي داود والدارقطني عنها بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك. سرف: قرية على عشرة أميال من مكة، ويوم النفر الأول هو الثاني من أيام التشريق. وقوله: على قدر نفقتك أو نصبك، قال الكرماني: أو إما للتنويع في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإما شك من الراوي، والمعنى أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب أو النفقة. وكذا بوب عليه البخاري، والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع، وكذا النفقة التي لا يذمها الشرع، قاله النووي.