الحديث رقم 156

كتاب الحج · المدة 8:46 · المقطع 16 من 16

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب ذكر الكعبة، أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم، فقال: أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مصورًا فما باله يستقسم؟ وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمُحيت. وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل وفي أيديهما الأزلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قاتلهم الله، أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بهما قط. فدخل البيت فكبر في نواحيه ولم يصلِّ فيه. الأزلام سهام لا ريش لها ولا نصل، وهي القداح، مكتوب عليها أمر أو نهي: افعل أو لا تفعل، يضعها أحدهم في وعاء، فإذا أراد أمرًا أخرج منها زلمًا، فإن خرج الأمر فعل، وإن خرج النهي لم يفعل. والاستقسام طلب معرفة ما قسمه الله له وقدره له. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالًا فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين. وفي رواية: المقدمين، فذهب عني أن أسأله كم صلى. وفي أخرى قال: فسألت بلالًا حين خرج: ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: جعل عمودًا عن يمينه، وعمودًا عن يساره، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى. وفي أخرى: جعل عمودين عن يمينه. وفي أخرى فقلت: هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين. وفي أخرى قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وهو مردف أسامة على القصواء، ومعه بلال وعثمان، حتى أناخ عند البيت، ثم قال لعثمان: ائتنا بالمفتاح، فجاءه بالمفتاح، ففتح له الباب، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وبلال وعثمان، ثم أغلقوا عليهم الباب، فمكث نهارًا طويلًا ثم خرج، فابتدر الناس الدخول فسبقتهم، فوجدت بلالًا قائمًا من وراء الباب، فقلت له: أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: صلى بين ذينك العمودين المقدمين، وكان البيت على ستة أعمدة سطرين، صلى بين العمودين من السطر المقدم، وجعل باب البيت خلف ظهره، واستقبل بوجهه الذي يستقبلك حين تلج البيت بينه وبين الجدار. قال: ونسيت أن أسأله كم صلى، وعند المكان الذي صلى فيه مرمرة حمراء. وفي أخرى لمسلم قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح على ناقة لأسامة حتى أناخ بفناء الكعبة، ثم دعا عثمان بن طلحة فقال: ائتني بالمفتاح، فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه. فقال: والله لا تعطينيه أو لا يخرجن هذا السيف من صلبي. قال فأعطته إياه، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه إليه، ففتح الباب ثم ذكر نحوه. قوله: فصلى في وجه الكعبة، أي عند بابها، وهو المراد بقبول البيت في حديث ابن عباس الآتي، قاله النووي رحمه الله. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرني أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها ست سوار، فقام عند كل سارية فدعا ولم يصل. وأخرج البخاري عن نافع قال: كان ابن عمر إذا دخل الكعبة مشى قبل وجهه حين يدخل، ويجعل الباب قبل ظهره، ويمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع، فيصلي، يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه. قال: وليس على أحد بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقا، أي حزاما تشده على وسطها، لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هناك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء. ثم قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال: ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع حتى بلغ يشكرون. وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ماء السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، فنظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلذلك سعى الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف، وفي رواية: بقدر ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا. وفي رواية: لو تركته كان الماء ظاهرًا. قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًا أو جريين، أي رسولًا أو رسولين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل، وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهلهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.