الحديث رقم 155
نص الحلقة
في باب صفة الحج وأحكامه، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي والطبراني في الكبير والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل، وفي رواية: وعليه حجة أخرى. قال عكرمة: فسمعته يقول ذلك، فسألت ابن عباس وأبا هريرة عما قال فصدقاه. قال المباركفوري: قال الشنقيطي: الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل، وما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، أن المراد بالإحصار في قوله: فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدي إحصار العدو، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة؛ لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية، ودل عليه قوله تعالى: فإذا أمنتم. وأما حديث الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة، يعني هذا الحديث، فلا تنهض به حجة لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام، لحديث عائشة وابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال لضباعة: حجي واشترطي، ولو كان التحلل جائزًا دون شرط كما يُفهم من حديث الحجاج بن عمرو، لما كان الاشتراط فائدة. وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث الحجاج بن عمرو، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام. فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح، وقوله هنا: وعليه حجة أخرى محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام، لأن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون. قال البخاري في صحيحه في باب من قال ليس على المحصر بدل، قال: ما نصه، وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان ولا قضاء عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت. ثم لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدًا أن يقضي شيئًا ولا يعود له، والحديبية خارج من الحرم. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه ونحر هديه وجامع نساءه حتى اعتمر عامًا قابلًا. قوله: أحصر، أي منع من وصول البيت الحرام، وكان ذلك عام الحديبية حين صده المشركون. قال ابن قدامة: وعلى من تحلل بالإحصار في الحج أو العمرة الهدي، في قول أكثر أهل العلم، لقول الله تعالى: فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. قال الشافعي: لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية. وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه وحلق رأسه. وأخرج مالك بسند صحيح عن سليمان بن يسار أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه خرج حاجًّا حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة أضل راحلته، وإنه قدم على عمر بن الخطاب يوم النحر، فذكر ذلك له، فقال عمر: اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد حللت، فإذا أدركك الحج قابلًا فحجج وأهد ما تيسر من الهدي. وفي رواية أنها بار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين، أخطأنا العدة، كنا نرى أن هذا اليوم يوم عرفة. فقال عمر: اذهب إلى مكة وطف أنت ومن معك وانحروا هديًا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا وارجعوا، فإذا كان عامًا قابلًا فحجوا وأهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع. قال الباجي في شرح الموطأ: قوله اصنع ما يصنع المعتمر ثم قد حللت، يريد والله أعلم أنه يأتي بعمرة كاملة يتحلل بها، ولذلك قال مالك: إن فاته الحج يتحلل بعمرة، يستأنف لها طوافًا وسعيًا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي رحمهم الله جميعًا. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته: عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن جريج أخبرني عطاء قال: كان ابن عباس. يقول: لا يطوف بالبيت حاج ولا غير حاج إلا حل. قيل لعطاء: من أين يقول ذلك؟ قال: من قول الله عز وجل: ثم محلها إلى البيت العتيق. قيل: فإن ذلك بعد المعرف، أي عرفة. فقال: كان ابن عباس يقول: هو بعد المعرف وقبله، وكان يأخذ ذلك من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم أن يحلوا في حجة الوداع. وفي رواية قال: قال له رجل من بني الهجيم: ما هذه الفتيا التي تشغفت أو تشعبت بالناس؟ إن من طاف بالبيت فقد حل. فقال: سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وإن رغمتم. وفي أخرى قيل لابن عباس: إن هذا الأمر قد تفشى الناس، وذكر الحديث. قوله: تشغفت، أي دخلت شغاف قلوبهم، وهو حجاب القلب، فشغلتها. وقوله: تشعبت، أي تفرقت بهم. وتفشى الأمر، أي انتشر وظهر. قال النووي: هذا الذي ذكره ابن عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافة سوى ابن عباس أن الحاج لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، فلا يتحلل حتى يقف بعرفات ويرمي ويحلق ويطوف. وأما احتجاج ابن عباس بالآية فلا دلالة له فيها، لأن قوله تعالى: محلها إلى البيت العتيق معناه لا تنحر إلا في الحرم، وليس فيه التعرض للتحلل من الإحرام. باب في ذكر الكعبة. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، أو قال بكفر، لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله. وفي رواية قال: يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بشرك لهدمت الكعبة فألصقتها بالأرض، وجعلت لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة. وفي أخرى قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: نعم. قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة. قلت: فما شأن بابهم مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخل من شاء ويمنع من شاء، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض. وفي أخرى: لولا أن قومك حديث عهدهم بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألصقته بالأرض، وجعلت له بابين: بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم. فقال ابن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. قوله: حيث بنت الكعبة، أي حين بنتها. وقال النووي: فيه دليل لتقديم أهم المصالح عند تعذر جميعها، وفيه جواز إنفاق كنز الكعبة ونذورها الفاضلة عن مصالحها في سبيل الله.