الحديث رقم 154

كتاب الحج · المدة 7:52 · المقطع 14 من 16

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب صفة الحج وأحكامه، أخرج مسلم عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالسًا مع ابن عباس عند الكعبة، فأتاه أعرابي، فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن، وأنتم تسقون النبيذ، أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله، ما بنا من حاجة ولا بخل. إنما قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة، فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة، فقال: أحسنتم أو أجملتم، كذا فاصنعوا، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل، اذهب إلى أمك فأتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، فقال: اسقني. قال: يا رسول الله، إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: اسقني. فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا، فإنكم على عمل صالح. ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، يعني عاتقه صلى الله عليه وسلم. قوله: لولا أن تغلبوا، ذكر الحافظ في تفسيره أقوالًا، ثم قال: والذي يظهر أن معناه: لولا أن تغلبكم الناس على هذا العمل إذا رأوني قد عملته لرغبتهم في الاقتداء بي، فيغلبوكم بالمكاثرة لفعلت. ويؤيد هذا ما أخرج مسلم من حديث جابر: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم. واستدل بهذا على أن سقاية الحاج خاصة ببني العباس، وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من الغد يوم النحر، وهو بمنى: نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر، يعني بذلك المحصب. وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب، أو بني المطلب، ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا قاله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح حين أراد حنينًا، وسيأتي في كتاب الجهاد. وقاله هنا حين أراد أن ينفر من منى إلى مكة في حجة الوداع. والأبطح والمحصب والحصبة وخيف بني كنانة اسم لشيء واحد، وهو مكان متسع بين مكة ومنى، بين الجبلين، وأصل الخيف كل ما انحدر من الجبل وارتفع عن مجرى السيل. ويسمى الأبطح لأن فيه البطحاء، والمحصب لأن فيه الحصباء، وهي صغار الحصى. وقيل نزله صلى الله عليه وسلم ليتذكر نعمة الله عليه بالظهور على أعدائه الذين تقاسموا فيه على قطيعته ومضرته، والقضاء على الكفر وإظهار الإسلام ونصره وتأييده. وقالت عائشة وابن عباس وأبو رافع: ليس نزول المحصب بشيء، إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه، وسيأتي حديثهم إن شاء الله. وأخرج الشيخان عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك، قلت: أخبرني بشيء عقلته عن النبي صلى الله عليه وسلم: أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك. وللبخاري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به. وأخرج البخاري ومسلم عن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلي بها، يعني المحصب، الظهر والعصر. أحسبه قال والمغرب. قال خالد: لا أشك في العشاء، ويهجع، ويذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه رواية البخاري. ولمسلم أن ابن عمر كان يرى التحصيب سنة، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالمحصبة، وقال نافع: قد حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزول الأبطح ليس بسنة، إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج. وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو عبيد: التحصيب إذا نفر الرجل من منى إلى مكة للتوديع أقام بالأبطح حتى يهجع بها ساعة من الليل ثم يدخل مكة. قال: وهذا شيء كان يفعل ثم ترك. وقال النووي: فيه خلاف بين الصحابة، ومذهب الجمهور استحبابه، وأجمعوا أن من تركه فلا شيء عليه. وأخرج مسلم عن أبي رافع، وكان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم، أي متاعه، قال: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكنني جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل. وأخرج البخاري ومسلم عن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا، وفي رواية: للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر، كأنه لا يزيد عليها. قال النووي: معنى الحديث أن من هاجر من مكة قبل الفتح حرم عليه الإقامة بها، ثم أبيح لهم إذا أتوها لحج أو عمرة أو غيرهما أن يقيموا بعد فراغهم ثلاثة أيام، ولا يزيد على الثلاث. وبهذا الحديث استدل العلماء على أن المسافر إذا نوى الإقامة في بلد ثلاثة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج جاز له الترخص برخص السفر، فالإذن في الثلاثة يدل على أنها ليس لها حكم الإقامة، بل صاحبها في حكم المسافر، بخلاف الأربعة. انتهى ملخصًا. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن العباس رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمكث بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له. قال ابن حجر في الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هي أو ما في معناها لم يحصل الإذن. وبالوجوب قال الجمهور. انتهى. ومن تركه لعذر فلا شيء عليه، ومن تركه لغير عذر دخل في قول ابن عباس: من نسي شيئًا من نسكه أو تركه مما بعد الفرائض فليهرق دمًا. وأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال. أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت والصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاماً قابلاً فيهدي أو يصوم إن لم يجد هدياً. فيه أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي. وأخرج مالك والبيهقي عن ابن عمر أنه قال: المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى. قاله المباركفوري في مرعاة المفاتيح.