الحديث رقم 151
نص الحلقة
في باب صفة الحج وآدابه، أخرج أحمد والدارمي وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني في الكبير والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح، عن عروة بن مضرس الطائي رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة حين أقام الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيئ، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، والله يا رسول الله ما تركت من حبل، وفي رواية: من جبل، إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من شهد صلاتنا هذه، يعني الصبح يوم النحر، ووقف معنا حتى ندفع، وفي رواية: حتى نفيض، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه. قال الخطابي: فيه أن من وقف بعرفات وقفة بعد الزوال من يوم عرفة إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بجمع، أي بمزدلفة، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها. وللبخاري عن عبد الرحمن بن يزيد قال: حج ابن مسعود فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريباً من ذلك، فأمر رجلاً فأذن، ثم أقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشاء فتعشى. ثم أمره فأذن وأقام ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان في هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. وفي أخرى له قال: قدمنا جمعًا فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، وتعشى بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر. قائل يقول: طلع، وقائل يقول: لم يطلع. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان: المغرب والعشاء، ولا يقدم الناس جمعًا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة. ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير المؤمنين، يعني عثمان، أفاض الآن أصاب السنة، فما أدري أقوله كان أسرع أم دفع عثمان، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر. ولمسلم عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله بن مسعود ونحن بجمع: سمعت الذي أُنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: لبيك اللهم لبيك. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا، وللبخاري: كل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ولمسلم: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع. ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين بإقامة واحدة، وكان عبد الله يصلي بجمع كذلك حتى لحق بالله عز وجل. قال الحميدي: وفي ألفاظ الرواة اختلاف، والمعنى واحد. وأخرج البخاري عن عمرو بن ميمون قال: شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف، فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، وكانوا يقولون: أشرق ثبير. فقال فهم النبي صلى الله عليه وسلم فأفاض قبل طلوع الشمس. ثبير جبل بمزدلفة على يسار الذاهب لمنى، وهو أكبر جبال مكة، حرسها الله سائر أوطان المسلمين. وكان أهل الجاهلية يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، أي ندفع لننحر، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم. ومعنى أشرق: أي يدخل في الشروق، كما يقال: أصبح، أي يدخل في الصباح. قال تعالى: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ. وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفة أهله. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة، أي ثقيلة، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفيض من جمع بليل فأذن لها. قالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة. وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام. وفي رواية قالت: وددت أني كنت استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة، فأصلي الصبح بمنى. فأرمى الجمرة قبل أن يأتي الناس، وفي أخرى قالت: نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي مما أفروح به. وأخرج مسلم عن أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل إلى منى، وفي رواية قالت: كنا نفعله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، نغلس من مزدلفة إلى منى، نغلس أي نخرج وقت الغلس وهو ظلمة آخر الليل. وأخرج الشيخان عن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني، هل غاب القمر؟ قلت: لا. ثم صلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم. قالت: فارتحلوا. فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد غلسنا. قالت: يا بني، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن للضعن، والضعن جمع ضعينة وهي المرأة ما دامت في الهودج. وأخرج الشيخان عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل، فيذكرون الله ما بدا لهم، ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر. ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الاستجمار وترا، ورمي الجمار وترا، والسعي بين الصفا والمروة وترا، والطواف وترا، وإذا استجمر أحدكم فليستجمر وترا. الوتر هو الوتر، والاستجمار رمي الجمار في الحج، وهو أيضا استعمال الحجارة في الاستنجاء. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة والطبراني في الكبير والحاكم والضياء المقدسي بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على ناقته: الْقُطْ لي حصى، فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين. سبق آخر الحديث في باب التحذير من الغلو في الدين، والخذف رميك حصاة أو نواة بالأصابع تأخذها بين السبابتين وترمي بها، والمراد هنا بيان مقدار حصى الجمار. أما الخذف فمنهي عنه، كما سيأتي في باب الضحك والمزاح من حديث عبد الله بن المغفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف.