الحديث رقم 158
نص الحلقة
في باب ذكر الخوارج أخرج مسلم عن زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي رضي الله عنه: أيها الناس، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتكلوا، وفي لفظ: لنكلوا عن العمل. وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعيرات بيض، فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكون هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله. قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلاً منزلاً حتى قال: مررنا على قنطرة، فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. فرجعوا فوحشوا برماحهم، أي رموها، وسلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، وقتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان. فقال علي رضي الله عنه: التمسوا فيهم المخدج، أي ناقص اليد، فالتمسوه فلم يجدوه. فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناسًا قد قُتل بعضهم على بعض، قال: أخروهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر، ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله. فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين، آلله الذي لا إله إلا هو، لسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف له. وفي رواية عن عبيدة السلماني عن علي قال: فيهم رجل مخدج اليد، لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فقلت: أنت سمعت هذا من محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: إي ورب الكعبة. قالها ثلاثًا. قوله: فنزلني منزلًا منزلًا، أي ذكر لي مراحلهم بالجيش منزلًا منزلًا حتى بلغ القنطرة التي كان القتال عندها. وأخرج مسلم عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحرورية لما خرجت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي: كلمة حق أريد بها باطل. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسًا، إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه. من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي رضي الله عنه قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئًا، فقال: ارجعوا، فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثًا، ثم وجدوه في خريبة، أي خرق من خروق الأرض، حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم. قوله طبي شاة، المراد ضرعها، وهو فيها مجاز، وأصله للكلبة والسباع. وأخرج مسلم عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم، يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة. قال ابن الصامت: فلقيت رافع بن عمرو الغفارية، قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا وكذا، فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج الشيخان عن يسير بن عمرو قال: قلت لسهل بن حنيف رضي الله عنه: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الخوارج شيئًا؟ قال: سمعته يقول، وأهوى بيده قبل العراق: يخرج منه قوم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية. وفي رواية قال: يأتيه قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم. باب الصلح. أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن بسند صحيح عن أبي رافع رضي الله عنه قال: بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أُلقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، لا أرجع إليهم أبداً. فقال صلى الله عليه وسلم: إني لا أخيس بالعهد ولا أحبس البرد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع. قال: فذهبت ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت. قال أبو داود: وكان أبو رافع قبطياً. قوله: لا أخيس بالعهد، أي لا أنقضه. والبرد جمع بريد، والمراد الرسل. قال الخطابي: وفيه من الفقه أن العقد يُرعى مع الكافر كما يُرعى مع المسلم، وأن الكافر إذا عقد لك عقد أمان فقد وجب عليك أن تؤمنه، وأن لا تغتاله في دم ولا مال ولا منفعة. قال أبو داود: كان هذا في المدة التي شرط لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد إليهم من جاء منهم وإن كان مسلماً، وأما اليوم فلا يصلح هذا، ورده من جاء مسلماً إنما يكون مع الشرط، وأما الرسل فلهم حكم آخر. ألا تراه لم يتعرض لرسولي مسيلمة، وقد قال في وجهه ما قال. وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الصلح جائز بين المسلمين. إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. وأخرج الشيخان عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله، زعم ابن أمي علي أنه قاتل رجلًا قد أجرته، فلان ابن هبيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ. وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن بسند حسن عن نعيم بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأ كتاب مسيلمة إليه للرسولين: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما. قال في عون المعبود: قولهما نقول كما قال، أي كما قال مسيلمة بأنه رسول الله، وهو كفر وارتداد منهما في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال فيهما ما قال. وفيه دليل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام.