الحديث رقم 176

كتاب الجهاد · المدة 8:24 · المقطع 20 من 24

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب المغازي والسير أخرج الشيخان رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكة يصوم ويصومون، حتى بلغ الكديد وهو ماء بين عسفان وقديد أفطروا وأفطروا، وللبخاري حتى إذا بلغ الكديد، الماء الذي بين قديد وعسفان، أفطر، فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر. قد سبق الحديث في باب أحكام الصيام وآدابه. وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فبلغ ذلك قريشاً، خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة. فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو. فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان. فلما سار قال للعباس: احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر إلى المسلمين، فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان. فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ، فَقَالَ: يا عباس، مَن هذه؟ قال: هذه غِفار. قال: ما لي ولغفار. ثم مرت جهينة، فقال مثل ذلك. ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك. ثم مرت سليم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم يُرَ مثلها. قال: مَن هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية. فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس، حبذا يوم الذمار. ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير. فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان، قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال: قال كذا وكذا. فقال: كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تُكسى فيه الكعبة. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُركز رايته بالحجون. قال عروة: فأخبرني نافع بن جبير بن مطعم، قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله، أهاهنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية؟ قال: نعم. قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من كُدى، فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري. قوله عند حطم الجبل: روي هكذا، وروي عند حطم الخيل. أي ازدحام الخيل حيث يحطم بعضها بعضا. وقوله حبذا يوم الذمار، أي ما يلزمك حفظه. وقوله أقل الكتائب، أي هي أقلها عددا، وقد روي أجل الكتائب. قال القاضي عياض وهي أظهر، ولا يبعد صحة الأولى، لأن عدد المهاجرين كان أقل من عدد غيرهم من القبائل. والحجون أحد جبل مكة من جهة الغرب والشمال. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على مجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي. فقال: يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار. وفي رواية: لا يأتيني إلا أنصاري. فدعوتهم، فجاءوا يهرولون، ووبشت قريش أوباشها وأتباعها، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم. قال: انظروا، إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا، وأحفى بيده ووضع يمينه على شماله، وفي رواية: ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: احصدوهم حصدا. وقال: موعدكم الصفا. فما أشرف لهم يومئذ أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله، أُبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. قال أبو سفيان: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، وجاء الوحي. وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي. فلما قضي الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار. قالوا: لبيك يا رسول الله. قال: قلتم: أما الرجل فأدركته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته. قالوا: قد كان ذلك. قال: كلا، إني عبد الله ورسوله. وفي رواية قال: ألا فمسمي إذن ثلاث مرات: أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم والممات مماتكم، فأقبلوا إليه يبكون، ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الظن بالله وبرسوله. وفي رواية: إلا ظنًا بالله ورسوله. فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم. فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، وأغلق الناس أبوابهم، وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، فأتى على صنم إلى جانب البيت كانوا يعبدونه، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس. وهو آخذٌ بسيةِ القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعن في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلى عليه حتى نظر إلى البيت، ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو. المجنبة هي الكتيبة من الخيل تأخذ جانب الطريق، والبياذقة هم الرجالة، والأوباش: الجموع من قبائل شتى، وقوله: أناموه أي قتلوه، ومنه سمي السيف منيمًا، قال الفراء: والنائمة الميتة، وقولهم: ظنًّا بالله ورسوله أي شحًّا بك أن تفارقنا ويختص بنا غيره، وقوله: طعنها بسية القوس أي بطرفها. وقال النووي رحمه الله في الحديث: الابتداء بالطواف في أول دخول مكة، سواء كان محرمًا بحج أو عمرة أو غير محرم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم دخلها في هذا اليوم، وهو يوم الفتح، غير محرم بإجماع المسلمين، وكان على رأسه المغفر. وقوله: من دخل دار أبي سفيان فيه تأليف لأبي سفيان وإظهار لشرفه.