الحديث رقم 165
نص الحلقة
في باب المغازي والسير، أخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: كاتبت أمية بن خلف كتابًا أن يحفظني في صاغيتي بمكة، وأحفظه في صاغيته بالمدينة. صاغية الرجل خاصته ويطلق على الأهل والمال. قال: فلما ذكرت الرحمن قال: لا أعرف الرحمن، كاتبني باسمك الذي كان لك في الجاهلية، فكاتبته عبد عمرو. فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لأحرزه حين نام الناس، فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلس من مجالس الأنصار، فقال: يا معشر الأنصار، أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا أمية. فخرج معه فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لأشغلهم به، فقتلوه ثم أبوا حتى يتبعونا، وكان أمية رجلًا ثقيلًا، فلما أدركونا قلت له: ابرك، فبرك فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه، فأصاب أحدهم رجلي بسيفه. قال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: وكان عبد الرحمن يرينا ذلك الأثر في ظهر قدمه. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس عن أبي طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، والطوي البئر. وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث. أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، قالوا ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد إلا أرواح لها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. العرصة هي البقعة الواسعة من غير بناء، والمراد هنا موضع الحرب. وأخرج مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثة، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا. فسمع عمر بن الخطاب قول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون أو أنى يجيبون وقد جيفوا؟ قال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر. وفي رواية عن أنس قال: كنا مع عمر رضي الله عنه بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال وكنت رجلا حديد البصر. فرأيته، وليس أحد يزعم أنه رآه غيري، فجعلت أقول لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه. قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي. ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس، يقول: هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان إن شاء الله. قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم، فقال: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًا؟ فإني قد وجدت ما وعدني الله حقًا. فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا. وأخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حدث عن سعد بن معاذ أنه قال: كان صديقًا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت. فخرج به قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ قال هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا، وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا. فقال له سعد، ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة. فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم سيد أهل الوادي. فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنهم قاتلوك. قال: بمكة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله قال: يا أم صفوان، ألم تري ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتلي. فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري. فقال أمية: والله لا أخرج من مكة. فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس، فقال: أدركوا عيركم. فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان، إنك متى ما يراك الناس وقد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي، تخلفوا معك. فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني، فوالله لأشترين أجود بعير بمكة. ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني. فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا. فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلًا إلا عقل بعيرة. فلم يزل بذلك حتى قتله الله عز وجل ببدر، وفي رواية نحوه، وفيه: فتلاحيا بينهما، فجعل أمية يقول لسعد: لا ترفع صوتك، وجعل يمسكه، فغضب سعد، فقال: دعنا منك، فإني سمعت محمداً صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك. قال: إياي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث. فرجع إلى امرأته فقال: أتعلمين ما قال أخي اليثربي؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنه سمع محمداً يزعم أنه قاتلي. قالت: فوالله ما يكذب محمد. فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ، قالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ فأراد أن لا يخرج، فقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادي، فسر يوماً أو يومين، فسار معهم، فقتله الله. قوله: عقل بعيره، أي ربط إحدى يديه بالعقال حتى لا يذهب بعيداً عنه.