الحديث رقم 172

كتاب الجهاد · المدة 9:11 · المقطع 16 من 24

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب المغازي والسير لم نزل في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: خرجت من المدينة أريد الغابة قبل أن يؤذن بالأولى، وكانت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد، فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أُخذت لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: من أخذها؟ قال: غطفان. فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاه! فأسمعت ما بين لابتي المدينة، ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل وأرتجز، أقول: أنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع، فألحق رجلاً منهم فأصك سهماً في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه. قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع. فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرته، حتى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة، فما زلت أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً يستخفون، ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى أتوا متضايقاً من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري، فجلسوا يتضحون، يعني يتغدون، وجلست على رأس قرن، أي جبل. قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح. والله ما فارقنا منذ غلس يرمين حتى انتزع كل شيء من أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة. فصعد إليَّ منهم أربعة في الجبل، فلما أمكنوني من الكلام قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قلت: أنا سلمة بن الأكوع. والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، فإذا أولهم الأخرم الأسدي، وعلى أثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي، فأخذت بعنان الأخرم فولوا مدبرين. قلت: يا أخرم، احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن، فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن فطعنه فقتله. فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد ولا غبارهم شيئاً، حتى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد، ليشربوا منه وهم عطاش، فنظروا إليَّ أعدو وراءهم فحليتهم عنه، يعني أجليتهم عنه، فما ذاقوا منه قطرة. ويخرجون، فيشتدون في ثنية، فأعدو فألحق رجلاً منهم فأصكه بسهم في نغض كتفه. قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع. قال: يا ثكلته أمه، أكوعه بكرة. قلت: نعم يا عدو نفسه، أكوعك بكرة، وأردو فرسين على ثنية. فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حليتهم عنه. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها. قلت: يا رسول الله، خلني فأنتخب من القوم مئة رجل، فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه في ضوء النار، فقال: يا سلمة، أتراك كنت فاعلاً؟ قلت: نعم، والذي أكرمك. وفي رواية قلت: يا نبي الله، إني قد حميت القوم الماء وهم عطاش، فابعث إليهم الساعة. فقال: يا ابن الأكوع، ملكت فأسجح، إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان. فجاء رجل من غطفان، فقال: نحر لهم فلان جزوراً، فلما كشفوا جلدها رأوا غباراً، فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين. فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخيرُ رجالتنا سلمة، ثم أعطاني صلى الله عليه وسلم سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعًا، ثم أردفني صلى الله عليه وسلم وراءه على العَضباء راجعين إلى المدينة، فبينما نحن نسير، وكان رجل من الأنصار لا يُسبق شدًّا، فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك، فلما سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا؟ قال: لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي ذرني فأسابق الرجل. قال: إن شئت. قلت: اذهب إليك، وثنيت رجليَّ فطفرت فعدوت، فربطت عليه شرفًا أو شرفين أستبقي نفسي، ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شرفًا أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه فأصكه بين كتفيه، قلت: قد سبقت والله. قال: أنا أظن. فسبقته إلى المدينة، فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم: تالله لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، ونحن عن فضلك ما استغنينا، فثبت الأقدام إن لاقينا، وأنزلن سكينة علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ قال: أنا عامر. قال: غفر لك ربك. وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإنسان يخصه إلا استشهد. فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له. يا نبي الله، لولا متعتنا بعامر، فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: قد علمت خيبر أني مرحب، شاكي السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب. وبرز له عمي عامر، فقال: قد علمت خيبر أني عامر، شاك السلاح بطل مغامر. فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، فرجع بسيفه على نفسه، فقطع أكحله وكانت فيها نفسه. قال سلمة: وخرجت، فإذا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: بطل عمل عامر، قتل نفسه. فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، بطل عمل عامر. قال صلى الله عليه وسلم: من قال ذلك؟ قلت: ناس من أصحابك. قال: كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين. ثم أرسلني إلى علي وهو أرمد، فقال: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فأتيت علياً فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبصق في عينيه فبرأ. وخرج مرحب فقال: قد علمت خيبر أني مرحب، شاكي السلاح بطل مجرب، إذا الحروب أقبلت تلهب. فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، كليث غابات كريه المنظرة، أوفيهم بالصاع كيل السندرة. فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه. قال الحميدي: في هذا الحديث من ذكر الإغارة على الصرح، وقصة عامر وارتجازه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية، ما قد اتفق البخاري معه على معناه، لكن فيه من الزيادة والشرح ما يوجب كونه من أفراد مسلم، فأفردناه.