الحديث رقم 175
نص الحلقة
لم نزل في باب المغازي والسير في قصة توبة كعب بن مالك رضي الله عنه. قال رضي الله عنه: فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا أنا بطيء من نبط أهل الشام، ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني، فدفع إلي كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا فقرأته، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء. فتيممت بها التنور فسجرتها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنها. وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن أمية، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك. فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما يدريني ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا، ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجداً، وعلمت أن قد جاء فرج، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئونني بالتوبة، ويقولون: لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: بل من عند الله. وكان صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: أمسك بعض مالك فهو خير لك. فقلت: وإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال: فوالله ما علمت أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني. والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله عز وجل: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين إلى قوله: وكونوا مع الصادقين. فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال الله: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم. إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قال كعب: كنا خُلِّفْنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه بذلك. قال الله تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وليس الذي ذكر مما خُلِّفْنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. وللبخاري قال: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر، وما من شيء أهم إليَّ من أن أموت فلا يصلي عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم، أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم ولا يسلم عليَّ ولا يصلي عليَّ. قال: فأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني، معنية بأمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سلمة، تيب على كعب. قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: إذًا يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليل، حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا. قد سبق طرف من صدر الحديث في باب أحكام الجهاد وآدابه. وقوله أنا إليها أصعر، يعني الثمار، بمعنى أميل. والعامري والواقفي بطنان من الأنصار رضي الله عنهم. وقوله في الثوبين: والله ما أملك غيرهما، أي من الثياب. وفيه جواز تخصيص اليمين بالنية، فإذا حلف لا مال له ونوى نوعًا من المال لم يحنث بنوع غيره، ولو حلف لا يكلم زيدًا ونوى كلامًا مخصوصًا لم يحنث بتكليمه بغير ذلك الكلام المخصوص. وفيه استحباب سجود الشكر والصدقة جميعًا لمن حصلت له نعمة ظاهرة أو اندفعت عنه كربة ظاهرة. وعد النووي رحمه الله في قصة كعب رضي الله عنه سبعًا وثلاثين فائدة، انظرها في شرحه لصحيح مسلم.