الحديث رقم 178

كتاب الجهاد · المدة 8:13 · المقطع 22 من 24

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب المغازي والسير، أخرج مسلم عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار، أي يضربها برجله لتسرع، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي عباس، نادِ أصحاب السمرة. قال عباس: وكان رجلاً صيتاً، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال صلى الله عليه وسلم: هذا حين حمي الوطيس. ثم أخذ صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت أنظر، وإذا القتال على هيئته فيما أرى. فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا. قوله: حمي الوطيس، أي اشتد الأمر، والوطيس التنور أو مثل التنور، وقوله: حدهم كليل، أي ضعيف لا يقطع. قال النووي: وقع عند مسلم على بغلته البيضاء، وفي أخرى الشهباء، وهي واحدة. وقال الطبري: الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود، وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة. وقال العلماء: في ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة يومئذ دلالة على النهاية في الشجاعة والثبات. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه قال: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس، في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئًا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: الله ورسوله أمن. قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا. وفي رواية قال: أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: جئتنا طريدًا فآويناك، وشريدًا فنصرناك، وكذا وكذا. ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير؟ وتذهبون بالنبي إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. قوله: الأنصار شعار والناس دثار، الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد، والدثار الثوب الذي فوق الشعار، يعني أن الأنصار خاصته الذين يلونه والناس بعدهم. وأخرج مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمت، فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم، فتوارى عني فما دريت ما أصنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فولى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأرجع منهزمًا وعليَّ بردتان متزرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعًا، ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزمًا وهو على بغلته الشهباء، فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعًا. فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين. قوله: شاهت الوجوه، أي قبحت. ومنه رجل أشوه وامرأة شوهاء، أي قبيحة المنظر. وأخرج البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد قال: رأيت بيد ابن أبي أوفى ضربة، قال: ضربتها مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين. قلت: شهدت حنينًا؟ قال: قبل ذلك. قوله قبل ذلك في رواية أحمد قال: نعم، وقبل ذلك. ومراده ما قبل حنين من المشاهد، وأول مشاهده الحديبية فيما ذكره من صنف في الرجال، قاله ابن حجر. وقال: ووقفت في بعض حديثه على ما يدل أنه شهد الخندق. وأخرج الشيخان رحمهما الله عن أبي إسحاق السبيعي قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى، ولكنهم طلق أخفاء من الناس، وحسر إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة، فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته، فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، اللهم نزل نصرك ثم صفهم. قال البراء: كنا والله إذا حمي البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم. ولمسلم قال: قال رجل للبراء: يا أبا عمارة، فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرًا. ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلاقوا قوماً رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نصر، فرشقوهم رشقاً ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وذكر نحوه. وفي رواية قال: لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وذكر نحوه. الأخفاف جمع خفيف، والحسر جمع حاسر، وهو الذي ليس عليه درع، وقوله رشقوهم رشقاً هو بفتح الراء، أما الرشق في الرواية الأولى فهو اسم للإسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة، والرجل من الجراد هي القطعة الكبيرة منه.