الحديث رقم 161

كتاب الجهاد · المدة 9:37 · المقطع 5 من 24

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في باب الهجرة لم نزل في حديث عائشة الطويل الذي أخرجه البخاري في صحيحه، قال رحمه الله: وفي رواية قالت: هاجر إلى الحبشة نفر من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: أوترجوه بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ظهراً، فناداه فقال له: أخرج من عندك. قال أبو بكر: إنما هما ابنتاي. فقال: أشعرت أنه قد أذن لي في الخروج؟ فقال: يا رسول الله، الصحبة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الصحبة. فقال: يا رسول الله، عندي ناقتان قد كنت أعددتهما للخروج. فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم إحداهما فركبا فانطلقا حتى أتى الغار وهو بثور، فتواريا فيه. وكان عامر بن فهيرة غلاماً لعبد الله بن الطفيل بن سخبرة، أخو عائشة لأمها، وكانت لأبي بكر منحة، فكان يروح بها ويغدو عليهم، ويصبح فيدلج إليهما ثم يسرح، فلا يفتن له أحد من الرعاء. فلما خرجا خرج معهما يعقبانه حتى قدما المدينة، فقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة. قال هشام: فأخبرني أبي، قال: لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية الضمري، قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ وأشار إلى قتيل. فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة. فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رُفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وُضع. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فنعاهم، فقال: إن أصحابكم قد أصيبوا، وأنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا. فأخبرهم عنهم. وأصيب فيهم يومئذ عروة بن أسماء بن الصلت، فسمي عروة به، ومنذر بن عمرو سمي به منذرًا. قوله: هذا الحِمال لا حِمال خيبر. حِمال خيبر هو التمر، أي أن هذه الحجارة التي تُحمل للبناء في الآخرة، في بناء المسجد، أفضل مما يُحمل من خيبر. وقوله: فنعاهم، أي أخبر بموتهم. وقوله: سمي به، المراد أن الزبير سمى ولديه باسميهما. وقيل المسمى منذرًا هو ابن أبي أُسيد الساعدي، كما سيأتي في باب الأسماء، ومنذر بن عمرو الساعدي عم أبيه، وكان عقبيًا بدريًا من أكابر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وأخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: جاء أبو بكر إلى أبي في منزله، فاشترى منه رحلًا، فقال لعازب: ابعث معي ابنك يحمله معي إلى منزلي. فقال لي أبي: احمله، فحملته، وخرج أبي معه ينتقد ثمنه، فقال له أبي: يا أبا بكر، حدثني كيف صنعتما ليلة سريت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال نعم، أسرينا ليلةنا كلها حتى قام قائم الظهيرة، وخل الطريق فلا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليها الشمس، فنزلنا عنده، وسويت بيدي مكانًا ينام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بسطت عليه فروة وقلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام، وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعٍ مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة، فقلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم. فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى، فحلب في قعب كثبة من لبن، ومعي إداوة حملتها للنبي صلى الله عليه وسلم يرتوي منها، يشرب ويتوضأ، فأتيته صلى الله عليه وسلم فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله، فقلت: يا رسول الله اشرب من هذا اللبن، فشرب حتى رضيت. وفي رواية قال: مررنا براعٍ وقد عطش رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر الصديق فأخذت قدحًا فحلبت فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كثبة من لبن، فأتيته بها فشرب حتى رضيت، ثم قال: ألم يأن للرحيل؟ قلت: بلى. فارتحلنا بعدما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، فقلت: يا رسول الله أُتينا، فقال: لا تحزن إن الله معنا. فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتطمت فرسه إلى بطنها. فقال إني أراكما قد دعوتما علي، فادعواا لي، والله لكما أن أرد عنكما الطلب. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فنجا، فرجع لا يلقى أحدًا إلا قال: كفيتم أهاهنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده ووفى لنا. وقال: هذه كنانتي فخذ سهمًا منها، فإنك ستمر على إبلي وغلماني بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك. قال: لا حاجة لي في إبلك، فقدمنا المدينة ليلًا، فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انزلوا على بني النجار أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك. فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون: يا محمد، يا رسول الله، يا محمد، يا رسول الله. وفي رواية: جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البراء: فدخلت مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها يقبل خدها ويقول: كيف أنت يا بنية؟ الكثبة هي القليل من اللبن. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار على رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ وأخرج البخاري عن أنس قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر. وأبو بكر شيخ يُعرف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يُعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. فيحسب الحاسب أنما يعني به الطريق، وإنما يعني به سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحقنا. فالتفت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم اصرعه. فصرعته فرسه، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله، مرني بما شئت. قال: تقف مكانك، لا تتركن أحدًا يلحق بنا. فكان أول النهار جاهدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآخره مسلحةً له. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاءوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وحفوا دونهما بالسلاح. فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله، وأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله. فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب الأنصاري، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي. قال فانطلق فهيئ لنا مقيلاً. قال قوما على بركة الله. قوله شيخ يعرف، أي قد شاب شعره، وكان يعرفه أهل المدينة لمروره عليهم في سفر التجارة. وقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، أي من حيث عدم انتشار الشيب في رأسه صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو أسن من أبي بكر. ولا يعرف، أي لا يعرفه أهل المدينة لعدم خروجه من مكة وعدم التقائهم به. وقوله إذا هم بفارس هو سراقة بن مالك. وقوله أصبح مسلحة له، أي مراقباً حارساً له.