الحديث رقم 391
نص الحلقة
في كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، أخرج الشيخان رحمهما الله عن يزيد بن أبي عبيد قال: لما قُتل عثمان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة، متزوجًا هناك امرأة، وولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليالٍ نزل المدينة فمات بها. هذه رواية البخاري، وفي رواية لهما أن سلمة دخل على الحجاج، فقال: يا ابن الأكوع، ارتددت على عقبيك، تعربت؟ قال: لا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي في البدو. التعرب الإقامة في البادية مع الأعراب، والربذة موضع في البادية بين مكة والمدينة. قال النووي، قال القاضي عياض رحمه الله: أجمعت الأمة على تحريم ترك المهاجر هجرته ورجوعه إلى وطنه، وعلى أن ارتداد المهاجر أعرابيًا من الكبائر، ولهذا أشار الحجاج. وقال غيره: كان ذلك من جفاء الحجاج، حيث خاطب هذا الصحابي الجليل بهذا الخطاب القبيح، وقيل أراد قتله فتطلب سببًا يقتله به. وأخرج الإسماعيلي عن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابدوا يا أسلم، وأسلم قبيلة سلمة وبريدة وأبي برزة. قالوا: إنا نخاف أن يقطع ذلك في هجرتنا. قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم. قال ابن حجر: ويستفاد من هذه الرواية مدة سكنى سلمة البادية، وهي نحو الأربعين سنة، لأن عثمان قُتل سنة خمس وثلاثين، ومات سلمة سنة أربع وسبعين على الصحيح. وأخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا. وفي رواية: فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحمًا، أو قال: ذمة وصهرًا. فإذا رأيت رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة، فاخرج منها. قال: فرأيت عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة، وأخاه ربيعة، يختصمان في موضع لبنة، فخرجت منها. قال العلماء: القيراط جزء من الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به. وسبق معنى آخر للقيراط في حديث شهود الجنازة، وحديث اقتناء الكلب. وقوله: ذمة ورحمًا، الذمة الحق والحرمة، والرحم لكونها هاجر منهم، والصهر لكون مارية القبطية منهم. وأخرج مسلم عن معقل بن يسار المزني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العبادة في الهرج كهجرة إلي. الهرج أصله الكثرة في كل شيء، وله معانٍ، فمنها اختلاط أمور الناس والفتنة، وهو المراد هنا، ومنها كثرة القتل، وكثرة النكاح، وكثرة الكذب، وكثرة النوم، وفي الحديث: فضل الاشتغال بالعبادة في زمن الفتن، وأنه كالهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال. لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه. ولمسلم قال: والذي نفسي بيده، لا تقوم الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه ويقول يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء. بوب عليه البخاري بقوله: باب لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور. وقال ابن حجر: قال ابن بطال: تمني الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر. انتهى. وليس هذا عاماً، وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه. وأيده برواية مسلم المذكورة هنا. وقال الطيبي: ليس التمني والتمرغ لأمر أصابه من جهة الدين، بل من جهة الدنيا. قال ابن حجر في قوله: وليس به الدين إنما هو البلاء، إيمان إلى أنه لو فعل ذلك بسبب الدين لكان محموداً. ويؤيده ثبوت تمني الموت عند فساد الدين عن جماعة من السلف. قال النووي: لا كراهة في ذلك، بل فعله خلائق من السلف، منهم عمر بن الخطاب، وعبس الغفاري، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وذكر علي القاري منهم العرباض بن سارية، والبخارية صاحب الصحيح. وأخرج مسلم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال. إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، أو قال: من بين أقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً. قوله: زوى لي الأرض، أي ضمها وصغرها، وفيه إشارة إلى أن ملك أمته معظم امتداده جهة المشرق والمغرب دون الجنوب والشمال. قال العلماء: الكنزان الذهب والفضة، والمراد كنزا كسرى وقيصر. وقوله: بسنة عامة، أي بقحط يعم الأمة كلها، وفي معناه الوباء، والمقصود ألا يهلكوا بالاستئصال. وقوله: من سوى أنفسهم، أي من الكفار. قوله: يستبيح بيضتهم، أي جماعتهم وأصلهم، والبيضة أيضاً العز والملك، وقد وقع ذلك كله كما أخبر صلى الله عليه وسلم، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلاً. ثم انصرف إلينا فقال: سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها. قال الطيبي: هو من قول الله تعالى: أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض، أي يجعلكم فرقًا مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة تابعة لإمام، وينشب القتال بينكم ويذيق بعضكم بأس بعض. وقد تقدم في باب التفسير وأسباب النزول. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل. وفي رواية: والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل. فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار. والهرج الفتن وكثرة القتل.