الحديث رقم 396
نص الحلقة
في كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة، أو قال: إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، ويفشو الزنا، ويذهب الرجال، ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد. وفي رواية: يظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء. القيم المدبر، ومن يقوم عليهن ويقوم بأمرهن، كما قال تعالى: الرجال قوامون على النساء. يقال: قيم وقوام وقيام وقيوم، كل ذلك بمعنى واحد. وأخرج أحمد والترمذي والبزار وابن حبان والحاكم بسند الحسن عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده. عذبة السوط طرفه، وعذبة حلاقته، وعذبة كل شيء طرفه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء. قوله: وسيعود غريبًا كما بدأ، هكذا عند الحميدي وابن العثيث، والذي في مطبوع مسلم: وسيعود كما بدأ غريبًا. ومعناه أن المتمسكين بالإسلام في بدايته كانوا غرباء بين الناس، وسيعود كذلك، فيصبح المتمسكون به غرباء، فطوبى لهم، وهي الجنة، وقيل طيب العيش. وأخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها، يأرز: أي ينضم ويجتمع، والمأرز الملجأ، وآرز فلان: تقبض واجتمع. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها. وأخرج أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتنقضن عرى الإسلام عروةً عروةً، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهن نقضًا الحكم، وآخرهن الصلاة. قوله: وآخرهن الصلاة. فيه أن من ترك الصلاة فقد نقض آخر عروة من عرى الإسلام، فلم يبق له في الإسلام عروة يستمسك بها. وهو كقوله: من تركها فقد كفر، وقوله: بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، وقد تقدم في باب فرض الصلاة. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة، وذو الخلصة صنم كانت تعبده دوس في الجاهلية بتبالة. الأليات جمع ألية، وهي ما ركب العجز من الشحم واللحم للإنسان وغيره. وقوله: تضطرب ألياتهن، أي ترتج أعجازهن من طوافهن حولها، وهذا كناية عن عودة عبادة الأصنام. وتبالة قرية بين الطائف واليمن. وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى. فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أن ذلك تام. قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم. وأخرج ابن ماجه والحاكم والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة بسند حسن عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، ولا يُسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها. فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثًا. قوله: يدرس يعني يمحى، يقال: درس الأثر فهو دارس، أي محا. ووشي الثوب نقشه. وصلة هو صلة بن زفر العبسي، أحد أعيان التابعين، ومن خيار عباد الله الصالحين. وقوله: تنجيهم من النار، هو كما أخرج الشيخان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رب، ذل لي فيمن قال لا إله إلا الله، في حديث الشفاعة. قال: ليس ذلك إليك، ولكن عزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله. وسيأتي في باب الحشر والشفاعة والحساب. وأخرج البخاري عن مرداس الأسلمي رضي الله عنه، وكان من أصحاب الشجرة رضي الله عنهم، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقبض الصالحون الأول فالأول. وتبقى حفالة كحفالة التمر والشعير لا يعبأ الله بهم شيئًا. وفي رواية: يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة. قال أبو عبد الله البخاري: يقال حفالة وحثالة، يعني بالفاء والثاء. حفالة كل شيء، وحثالته أردؤه وأردله. وقوله: لا يباليهم الله بالة، قال الخطابي: أي لا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا. يقال: باليت بفلان وما باليت به مبالاة وبالية وبالة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وأبو يعلى والحاكم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يغربل الناس غربلة، وتبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه. قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على خاصتكم، وتدعون أمر عامتكم. وفي رواية قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا، وشبك بين أصابعه، فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر. وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة. سبق الحديث وشرحه في باب النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.