الحديث رقم 403
نص الحلقة
في كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم إمامًا مقسطًا وحكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها. ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ الآية. وفي رواية: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟ وفي أخرى: فأمكم منكم. قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني. قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم. ولمسلم قال: والله لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد. قوله: فيكسر الصليب، أي يبطل دين النصرانية، يعني يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه. وقوله: يقتل الخنزير، أي يأمر بإعدامه مبالغة في تحريم أكله. ويستفاد منه تحريم اقتناء الخنزير وتحريم أكله، وأنه نجس؛ لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه. والجمهور على جواز قتله مطلقًا. قوله: هو يضع الجزية، معناه أن الدين يصير واحدًا، فلا يقبل عيسى إلا الإسلام، ولا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية. وللطبراني من حديث عبد الله بن مغفل: ينزل عيسى بن مريم مصدقًا بمحمد على ملته. وقوله: يفيض المال، أي يكثر لنزول البركات بسبب العدل وعدم الظلم، وتقل الرغبات في المال، وتكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها، أي أنهم يتقربون إلى الله بالعبادة لا بالصدقات. وقيل معناه أنهم يرغبون عن الدنيا حتى تكون السجدة الواحدة أحب إليهم من الدنيا وما فيها. والقلاص جمع قلوص، وهي الفتية من الإبل. وقوله: لا تتركن القلاص فلا يُسعى عليها، معناه يُزهد فيها ولا يُعتنى بها، ولا يدعون إلى المال فلا يقبله أحد، هو بضم العين وفتح الواو وتشديد النون، وإنما زهدوا في الإبل والمال لكثرة الأموال وقصر الآمال وقلة الرغبة للعلم بقرب الساعة. وأخرج مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظننا أنه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظننا أنه في طائفة النخل. فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طافئة. كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا يا عباد الله فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله، فذاك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرًى، وأسبغه ضروعًا، وأمده خواصر. ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم. ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل. ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض. ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه. فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله عز وجل إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها. ويبارك في الرسل، حتى إن لقحة من الإبل لتكفل بأعام من الناس، واللقحة من البقر لتكفل قبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفل فخذا من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة. قوله غير الدجال أخوفني عليكم، قال النووي: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا أخوفني بنون بعد الفاء، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، بإضافة أخوف إلى ياء المتكلم مقونة بنون الوقاية. قال ورواه بعضهم بحذف النون، وهما لغتان صحيحتان ومعناهما واحد، ويحتمل أن يكون معناه أخوف لي، فأبدلت النون من اللام. وأما معنى الحديث ففيه أوجه: أظهرها أنه من أفعال التفضيل، وتقديره غير الدجال أخوف مخوفات عليكم، ثم حذف المضاف إلى الياء. وقوله شاب قطط، أي شديد جعودة الشعر. وقوله خارج خلة، الخلة هي ما بين البلدين أو الطريق بينهما. وقوله فعاث يمينا، بعين مهملة وثاء مثلثة مفتوحة، فعل ماض. وحكى القاضي أنه رواه بعضهم فعاث، بكسر الثاء. وقوله قدروا له قدره، أي إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم فصلوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر، وهكذا حتى ينقضي ذلك اليوم. وقوله سارحتهم، أي ماشيتهم التي تسرح. وقوله أطولها ذرعًا أي أسنمة، جمع ذروة، ويعاسيب النحل ذكور النحل، والمراد جماعة النحل لا ذكورها خاصة. وقوله يقطعه جزلتين رمية الغرض أي قطعتين بينهما مقدار رمية. بين مهرودتين أي لابس مهرودتين، أي حلتين مصبوغتين بورس ثم زعفران. وقوله تحدر منه جمان كاللؤلؤ أي يتحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه. ولد بضم اللام وتشديد الدال قرية بفلسطين قريبة من بيت المقدس، يقتل عيسى عليه السلام الدجال عند بابها. وقوله لا يدان لأحد أي لا قدرة ولا طاقة. وقوله من كل حدب ينسلون، الحدب النشز المرتفع، وينسلون يمشون مسرعين، ونشابهم سهامهم. والنغف دود يكون في أنوف الإبل والغنم، الواحدة نغفة. وقوله فرسى أي قتلى، جمع فريس. وقوله جبل الخمر، الخمر الشجر المتف الذي يستتر من فيه، وهو جبل بيت المقدس كما في الحديث. والمدر جمع مدرة، وهي قطعة الطين الصلب. وقوله كالزلفة، روي الزلقة أيضًا، وكلها صحيحة، واختلف في معناها فقيل كالمرآة، وقيل كالصحفة، وقيل كالروضة، وكل ممتلئ من الماء زلفة. وقحف الرمانة هو مقعر قشرها، شبهها بقحف الرأس وهو الذي فوق الدماغ، والرسل اللبن. وقوله فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، هكذا هو في جميع نسخ مسلم، وكل مسلم بالواو. وقوله: يتهارجون تهارج الحمر، أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما تفعل الحمير، والهرج الجماع، يقال هارج زوجته أي جامعها.