الحديث رقم 393
نص الحلقة
في كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، أخرج البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. وُسِّد أي أُسند، والمراد بالأمر أمر الناس، وهو الخلافة وما ينضم إليها كالإمارة والقضاء والفتوى والتدريس وسائر المناصب، قاله في مرقاة المفاتيح. وأخرج مسلم عن أبي نوفل قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، فجعلت قريش تمر عليه والناس، حتى مر عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه عبد الله، فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب. أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، ثلاثًا. أما والله إن كنت ما علمت صوامًا قوامًا وصولًا للرحم، أما والله لأمة أنت شرها، أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير، وفي رواية: لأمة سوء، ثم نفذ عبد الله بن عمر. فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه، فأُلقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر، فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتينني أو لأبعثن إليك من يسحبكِ بقرونك، فأبت، وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إليَّ من يسحبني بقروني. فقال: أروني سبتيَّ، فأخذن عليه، ثم انطلق يتوذف، يعني يسرع، حتى دخل عليها. قال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك. بلغني أنك تقول: يا بن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه. أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها. عقبة المدينة هي عقبة بمكة واقعة في طريق أهل المدينة حين يأتون مكة، وكان ابن الزبير مصلوبًا هناك. وقوله: لأمة أن تشرها، أي لأمة أن تكثر ما وصل إليه شر أهلها، لأمة سوء. واقتصر النووي على رواية أمة خير، وقال: هكذا هو مروي عن مشيختنا، وكذا نقله القاضي عن جمهور رواة صحيح مسلم، ونقله القاضي عن رواة السمرقندي، ونقله القاضي عن رواية السمرقندي: لأمة سوء، وهو خطأ وتصحيف. قال القاري: لكن حيث صحت الرواية، وطابقت الدراية، فلا معنى للتخطئة. ثم نفذ أي انصرف. وقوله سبتية، السبت هي النعل التي لا شعر عليها. وقوله يتوذف أي يسرع أو يتبختر. وقولها مبيرًا أي مهلكًا. واتفق العلماء على أن المراد بالكذاب هنا المختار بن أبي عبيد الثقفي، وبالمبير الحجاج بن يوسف. قال النووي: فيه منقبة لابن عمر لقوله بالحق في الملأ، وعدم اكتراثه بالحجاج، حيث شهد لابن الزبير بالخير، وأبطل ما أشاع عنه الحجاج من أنه عدو الله وظالم. ومذهب أهل الحق أن ابن الزبير كان مظلومًا، وأن الحجاج ورفقته كانوا خوارج عليه. ثم ماتت أسماء بعد قتل ابنها بعشرة أيام رضي الله عنهما. وأخرج البخاري عن الزبير بن عدي قال: دخلنا على أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم. سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. قال ابن حجر: استشكل هذا الإطلاق، مع أن بعض الأزمنة أهون في الشر مما قبلها، كزمن عمر بن عبد العزيز بعد زمن الحجاج. وأجاب بعضهم أن المراد تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فعصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة. قال الحافظ: ثم وجدت عن ابن مسعود التصريح بالمراد، فأخرج يعقوب بن شيبة عنه قال: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله. حتى تقوم الساعة، لستواعني رخاءً من العيش يصيبه، ولا مالًا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علمًا من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون. وفي رواية: لا أعني أميرًا خيرًا من أمير، ولا عامًا خيرًا من عام، ولكن علماؤكم وفقهاؤكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفًا، ويجيء قوم يفتون برأيهم. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى. بصرى مدينة معروفة من أرض الشام بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل. قال النووي: وقد خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا، تواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة، وقال التوربشتي: لبثت نحوًا من خمسين يومًا تتقد وترمي بالأحجار المجمرة بالنار من بطن الأرض إلى ما حولها. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه. قال القرطبي في التذكرة: قوله يسوق الناس بعصاه كناية عن غلبته عليهم وانقيادهم له، ولم يرد نفس العصا، لكن في ذكرها إشارة إلى خشونته وعسفه. قال ولعله جهجاه المذكور في الحديث الآخر، واصل الجهجاه الصياح، وهي صفة تناسب ذكر العصر. ورد ذلك ابن حجر بأن الجهجاه من الموالي. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له الجهجاه. الجهجاه بهاءين، وفي بعضها الجهجا بحذف الهاء الثانية، والأول هو المشهور، قاله النووي. في لسان العرب: الجهجهة الصياح، وجهجه بالسبع وغيره أي صاح به ليكف، وجهجه الأمير الرجل رده عن كل شيء، وجه فلان فلانًا إذا رده ردًا قبيحًا. قال ابن منظور: كأن الجهجاه مركب من هذا. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والطبراني في الكبير بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلًا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. وفي رواية: لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي. قال الطيبي: لم يذكر العجم، وهم مرادون أيضًا؛ لأنه إذا ملك العرب واتفقت كلمتهم وكانوا يدًا واحدة قهر سائر الأمم. وقال القاري: قوله يملك العرب أي ومن تبعهم من أهل الإسلام، فإن من أسلم فهو عربي.