الحديث رقم 395

كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة · المدة 8:05 · المقطع 7 من 17

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يُخسف بأولهم وآخرهم. قالت: قلت يا رسول الله، كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: يُخسف بأولهم وآخرهم ويُبعثون على نياتهم. هذه رواية البخاري، ولمسلم قالت: عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه، فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله. فقال: العجب أن ناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم. فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد تجمع الناس. فقال: نعم، فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم. المستبصر: المستبين لذلك، القاصد للمقاتلة. والمجبور بالجيم والموحدة بعد هاء هو المكره، يقال: جبره وأجبره، أي أكرهه. وابن السبيل: أي سالك الطريق معهم وليس منهم، يُخسف بالجميع لشؤم الأشرار، ثم يُحاسب كلٌّ بقصده. وفيه التحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر. وأخرج مسلم عن عبيد الله بن القبطية قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة... وعبدُ اللهِ بنُ صفوانَ وأنا معهما على أمِّ سلمةَ رضي الله عنها، فسألاها عن الجيشِ الذي يُخسفُ به، وذلك في أيامِ ابنِ الزبير، فقالت: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يعوذُ عائذٌ بالبيت، فيُبعثُ إليه بعث، فإذا كانوا ببيداءَ من الأرض خُسِفَ بهم. فقلت: يا رسولَ الله، فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: يُخسفُ به معهم، ولكنه يُبعثُ يومَ القيامة على نيته. قال أبو جعفر: هي بيداءُ المدينة. البيداءُ كلُّ أرضٍ ملساءَ لا شيء بها، وبيداءُ المدينة هي الشرفُ المرتفعُ الذي قدامَ ذي الحليفة إلى جهةِ مكة. وأخرج مسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ صفوان قال: حدثتني حفصةُ أنها سمعت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: ليؤمَّنَّ هذا البيتَ جيشٌ يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداءَ من الأرض يُخسفُ بأوسطهم، وينادي أولهم آخرهم ثم يُخسفُ بهم، ولا يبقى إلا الشريدُ الذي يخبرُ عنهم. وفي روايةٍ قال: سيعودُ بهذا البيت، يعني الكعبة، قومٌ ليست لهم منعةٌ ولا عددٌ ولا عُدة، يُبعثُ إليهم جيشٌ حتى إذا كانوا ببيداءَ من الأرض خُسِفَ بهم. قال يوسفُ بنُ ماهك: وأهلُ الشام يومئذٍ يسيرون إلى مكة. فقال عبدُ اللهِ بنُ صفوان: أما واللهِ ما هو بهذا الجيش. قوله: ليس لهم منعة، أي ليس لهم ما يجمعهم ويمنعهم. وقيل: المنعة جمع مانع، مثل كفرة جمع كافر. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: يُخربُ الكعبة. ذُو السويقتين من الحبشة. ولمسلم قال: ذو السويقتين من الحبشة يخرب بيت الله. السويقتين تصغير الساقين، صغرهما لدقتهما، أي له ساقان دقيقتان، وهي صفة السودان غالبًا. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا، يعني الكعبة. قوله: كأني به، أي كأني أنظر إليه، والأفحج من الفحج، وهو تباعد ما بين الساقين ونصبه على الحالية. وأخرج الشيخان عن عبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بين يدي الساعة أيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل. قوله: ينزل الجهل ويرفع العلم، يبينه قوله في حديث عبد الله بن عمرو: إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. وقد تقدم في كتاب العلم في باب فضل العلم. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من أشراط الساعة أن يتقارب الزمان، وينقص العلم، وفي رواية: وينقص العمل، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج. قالوا: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال: القتل، القتل. وفي رواية: أن يرفع العلم ويثبت الجهل، أو قال: ويظهر الجهل. قوله: يتقارب الزمان، قال ابن حجر: قيل على ظاهره، فلا يظهر التفاوت في الليل والنهار بالقصر والطول، وقيل المراد قرب يوم القيامة، وقيل: تذهب البركة، فيذهب اليوم والليلة بسرعة. ويؤيده أن في الحديث الآخر: يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر. وقيل المراد تقارب أهل ذلك الزمان في الجهل والشر وعدم الخير. وقيل: تتقارب صدور الدول، وتطول مدة أحد لكثرة الفتن. قوله: وينقص العمل، أي العمل الصالح. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان، والطبراني في الكبير، والبغوي، والضياء المقدسي رحمهم الله جميعًا، بسند صحيح، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد. وفي رواية: إن من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المساجد. وفي أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد لا يعمرونها إلا قليلًا. قوله: يتباهون بالمساجد لا يعمرونها إلا قليلًا، مبين لقوله في الحديث السابق: ينقص العمل، أي العمل الصالح. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب والحاكم بسند الحسن عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة. وفي شؤون التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور القلم. تسليم الخاصة ألا يسلم الرجل إلا على من يعرف، وظهور القلم انتشار الكتاب وكثرة الكتاب، وإخباره صلى الله عليه وسلم بظهور القلم لا ينافي قوله يرفع العلم ويظهر الجهل، بل هو من معجزات النبوة، فالقلم ظاهر والجهل ظاهر؛ لأن العلم النافع مرفوع، وهو العلم بالله تعالى وخشيته، ومعرفة أحكامه وحدوده، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. وهو كقوله يتباهون بالمساجد لا يعمرونها إلا قليلاً، وقوله كاسيات عاريات، فهي متضادات وقعت جميعاً كما أخبر صلى الله عليه وسلم.