الحديث رقم 404
نص الحلقة
في كتاب الفتن والملاحم وأشراط الساعة، أخرج مسلم رحمه الله عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج الدجال في أمتي، فيمكث أربعين. قال ابن عمرو: لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً، فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله عز وجل ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه. قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم بذلك دار رزقهم حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً، فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فيصعق ويصعق الناس. قال: ثم يرسل الله، أو قال: ينزل الله مطراً كأنه الطل أو الظل، نعمان الشاك، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس هلم إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسؤولون. ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال من كم؟ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. قال فذاك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق. قوله في خفة الطير وأحلام السباع، قال النووي: قال العلماء معناه يكونون في سرعتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كالطيران الطير، وفي العدوان وظلم بعضهم بعضًا في أخلاق السباع العادية. والليت صفحة العنق، وإصغاؤه إمالته، والليتان ما تحت القرطين من العنق، وقوله يلوط حوض إبله أي يطينه ويصلحه، قوله كأنه الطل أو الظل بالمهملة والمعجمة، قال العلماء: الأصح الطل بالمهملة. وأخرج الشيخان عن زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعًا محمرًا وجهه، وفي رواية: استيقظ من نومه محمرًا وجهه، يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها. زاد في رواية: وعقد سفيان عشرة، وفي أخرى: وعقد سفيان تسعين أو مئة. قالت فقلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث. وفي رواية لهما عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد بيده تسعين. قوله حلق أي جعل إصبعه كالحلقة، ومثله قوله عقد عشرة، وعقد تسعين أو مئة. قال ابن حجر: فسره بالزنا وبأولاد الزنا وبالفسوق والفجور، وهو أولى؛ لأنه قابله بالصلاح. قال ابن العربي فيه البيان بأن الخير يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غير عليه فلم يجد، وأصر الشرير على خبثه وفساد ذلك وكثر، فيهلك حينئذ القليل والكثير، ثم يحشر كل على نيته. وأخرج أحمد وابن ماجه وأبو يعلى وابن حبان والحاكم بسند حسن عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون على الناس كما قال الله: من كل حدب ينسلون، فيغشون الأرض، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبسًا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان هاهنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء، ثم يهز أحدهم حربته ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مختضبة دمًا للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله دودًا في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يُسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ فيتجرد رجل منهم لذلك محتسبًا نفسه قد أوطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين ألا أبشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم ويسرحون مواشيهم. فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط. قوله: تشكر عنه، أي تسمن. وأخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليحجن البيت ولا يعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج. قال البخاري: قال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة: لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت. قال البخاري: والأول أكثر. يقال حج المكان أو اعتمره أو قصده أو زاره، كلها في اللغة بمعنى واحد. وقوله: والأول أكثر، يريد البخاري رحمه الله أن روااته أكثر عددا واتفاقا على اللفظ المذكور. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: والذي نفسي بيده، ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا، أو ليثنينهما. يهلن أي يرفع صوته بالتلبية. وفج الروحاء بين مكة والمدينة، وكان هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، وإلى مكة عام الفتح، وعام حجة الوداع. وقوله: ليثنينهما، أي يقرنهما. وأخرج البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال، وهو يخطب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. فقال مالك بن يخامر: سمعت معاذا يقول وهم بالشام. فقال معاوية: هذا مالك بن يخامر يزعم أنه سمع معاذا يقول وهم بالشام. وفي رواية قال: لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة. وللبخاري قال: ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والترمذي وابن حبان والطبراني في الكبير رحمهم الله بسند صحيح عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة. وأخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال ناس، وفي رواية طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون. ولمسلم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قال أبو عبد الله البخاري: هم أهل العلم. قال ابن حجر: قيل ظاهرين أي غالبين، وقيل مشهورين، والأول أولى. وقال النووي: قال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وقال عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. قال النووي: ويحتمل أن هذه الطائفة متفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض.