فتح نهاوند

فتوح سواد العراق · المدة 5:06 · المقطع 23 من 81

☆ المفضلة
لما هرب يزدجرد من حلوان في سنة تسع عشرة تكاتبت الفرس وأهل الري وقومس وأصبهان وهمذان والماهين وتجمعوا إِلَى يزدجرد وذلك في سنة عشرين فأمر عليهم مردانشاه ذا الحاجب وأخرجوا رايتهم الدرفشكابيان، وكانت عدة المشركين يومئذ ستين ألفا ويقال مائة ألف، وقد كان عمار بْن ياسر كتب إِلَى عُمَر بْن الخطاب بخبرهم فهم أن يغزوهم بنفسه ثُمَّ خاف أن ينتشر أمر العرب بنجد وغيرها، وأشير عَلَيْهِ بأن يُغزِي أهل الشام من شامهم وأهل اليمن من يمنهم فخاف إن فعل ذلك أن تعود الروم إِلَى أوطانها وتغلب الحبشة عَلَى ما يليها، فكتب إِلَى أهل الكوفة يأمرهم أن يسير ثلثاهم ويبقى ثلثهم لحفظ بلدهم وديارهم وبعث من أهل البصرة بعثا، وقال: لاستعملن رجلا يكون لأول ما يلقاه منَ الأسنة، فكتب إِلَى النعمان بْن عَمْرو بْن مقرن المزني وكان مع السائب بن الأقرع الثقفي بتوليته الجيش، وقال: إن أصبت فالأمير حذيفة بْن اليمان فإن أصيب فجرير بْن عَبْد اللَّهِ البجلي فإن أصيب فالمغيرة بْن شعبة فإن أصيب فالأشعث ابن قيس، وكان النعمان عاملا عَلَى كسكر وناحيتها ويقال بل كان بالمدينة فولاه عُمَر أمر هَذَا الجيش مشافهة فشخص منها.
فدخل عُمَر المسجد فبصر النعمان بْن مقرن فقعد إِلَى جنبه، فلما قضى صلاته قَالَ: أما إني سأستعملك، فقال النعمان: أما جابيا فلا ولكن غازيا قَالَ: فأنت غاز فأرسله، وكتب إِلَى أهل الكوفة أن يمدوه فأمدوه وفيهم المغيرة بْن شعبة.

فبعث النعمانُ المغيرةَ إِلَى ذي الحاجبين عظيم العجم بنهاوند فجعل يشق بسطه برمحه حَتَّى قام بَيْنَ يديه ثُمَّ قعد عَلَى سريره فأمر به فسحب، فقال إني رَسُول، ثُمَّ التقى المسلمون والمشركون فسلسلوا كل عشرة في سلسلة وكل خمسة في سلسلة لئلا يفروا، قَالَ: فرمونا حَتَّى جرحوا منا جماعة وذلك قبل القتال.
وقال النعمان: شهدت النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر زوال الشمس وهبوب الرياح ونزول النصر، ثُمَّ قَالَ: إني هاز لوائي ثلاث هزات، فأما أول هزة فليتوضأ الرجل بعدها وليقض حاجته، وأما الهزة الثانية فلينظر الرجل بعدها إِلَى سيفه أو قَالَ شعه وليتهيأ وليصلح من شأنه، وأما الثالثة فإذا كانت إن شاء اللَّه فاحملوا ولا يلوين أحد عَلَى أحد، فهز لواءه ففعلوا ما أمرهم وثقل درعه عَلَيْهِ فقاتل وقاتل الناس، فكان رحمه الله أول قتيل، قَالَ: وسقط الفارسي عن بغلته فانشق بطنه، قَالَ فأتيت النعمان وبه رمق فغسلت وجهه من أداوة ماء كانت معي فقال: من أنت قلت معقل قَالَ: ما صنع المسلمون قلت: أبشر بفتح اللَّه ونصره قَالَ: الحمد لله اكتبوا إِلَى عُمَر. فكان النعمان أول مقتول يوم نهاوند، ثُمَّ أخذ حذيفة الراية ففتح اللَّه عليهم.

عن أَبِي عُثْمَان النهدي، قَالَ: أنا ذهبت بالبشارة إِلَى عُمَر فقال: ما فعل النعمان قلت قُتل قَالَ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) ثُمَّ بكى فقلت: قتل والله في آخرين لا أعلمهم، قَالَ: ولكن اللَّه يعلمهم.