الحديث رقم 3
نص الحلقة
أخرج مسلم عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى، يعني الظهر، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا. قال: وأما أنا فمسح خدي، فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جونة عطار. جونة العطار خريطة يعد العطار فيها العطور والطيب ويدخرها فيها. وأخرج مسلم عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يأتونه بإناء إلا غمس يده فيه، فربما جاءوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيه. وأخرج البخاري عن الأسود بن يزيد النخعي قال: سألت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، تعني خدمة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. وفي رواية: فإذا سمع الأذان خرج. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وأبو يعلى وابن حبان بسند صحيح عن عائشة أنها سئلت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ قالت: كان صلى الله عليه وسلم يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم. يخصف نعله يقال: خصف نعله إذا أطبق طاقًا على طاق. أي كان يخرجها من الخصف، وهو ضم الشيء إلى الشيء. قال تعالى: يخصفان عليهما من ورق الجنة. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا. وأخرج البخاري عن سهل بن سعد قال: جاءت امرأة ببردة. قال سهل: هل تدري ما البردة؟ قال: نعم، هي الشملة منسوج في حاشيتها. قالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فجسها رجل من القوم فقال: يا رسول الله، اكسنيها. قال صلى الله عليه وسلم: نعم. فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه وقد عرفت أنه لا يرد سائلًا. فقال الرجل: والله ما سألتها إلا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه. وأخرج مسلم عن أنس قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. قال أنس: وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يلبث إلا يسيرًا حتى يكون الإسلام. أحب إليه من الدنيا وما عليها. وأخرج مسلم عن محمد بن شهاب الزهري قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح، فتح مكة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مئة من الإبل، ثم مئة، ثم مئة. قال ابن شهاب: وحدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال له: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. وأخرج الشيخان عن المسور بن مخرمة قال: أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية من ديباج مزررة بذهب، فقسمها في أصحابه، وعزل منها واحدة لمخرمة. فقال أبي مخرمة: انطلق بنا إليه عسى أن يعطينا منها شيئًا. فقام أبي على الباب فتكلم، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم صوته، فخرج ومعه قباء وهو يريه محاسنه ويقول: خبأت هذا لك، خبأت هذا لك. فنظر إليه فقال: رضي مخرمة. وكان في خلقه شيء. وفي رواية قال: يا بني، ادع لي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فأعظمت ذلك، وقلت: أدعو لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال يا بني إنه ليس بجبار، فدعوته فخرج، وعليه قباء من ديباج مزرر بالذهب، فقال يا مخرمة هذا خبأناه لك. أخرجه البخاري في باب المداراة مع الناس. قال القرطبي: القباء والفروج كلاهما ثوب ضيق الكمين والوسط مشقوق من خلف، يلبس فوق الثياب. وقال ابن بطال: يستفاد منه استئلاف أهل اللسن ومن في معناهم بالعطية والكلام الطيب. وأخرج الشيخان عن أنس قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد، وفي رواية رداء نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء. وأخرج مسلم عن أنس قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن، فانطلقت معه، فناولته إناءً فيه شراب، فلا أدري أصادفته صائماً أو لم يرده، فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه. تصخب أي ترفع صوتها، وتذمر أي تتذمر إنكاراً لامتناعه، وكانت تدل عليه صلى الله عليه وسلم لكونها حضنته وربته. قال النووي: وفيه أن للضيف الامتناع من الطعام والشراب الذي يحضره المضيف إذا كان له عذر من صوم أو غيره. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو الدوسي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن دوسًا قد هلكت، عصت وأبت، وفي رواية: كفرت، فادع الله عليهم. فظن الناس أنه يدعو عليهم، فقال: اللهم اهد دوسًا وائت بهم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة، ومعه بلال، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: ألا تنجز لي يا محمد ما وعدتني؟ فقال له: أبشر. فقال: قد أكثرت علي من أبشر. فأقبل علي وعلى بلال كهيئة الغضبان، فقال: إن هذا رد البشرى، فاقبلا أنتما. فقلنا: قبلنا. ثم دعا بقدح فيه ماء، فغسل وجهه ويديه فيه، ومج فيه، ثم قال: اشربا وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا. فأخذنا القدح ففعلنا، فنادت أم سلمة من وراء الستر: أن أفضلا لأمكما في إنائكما، فأفضلنا لها منه طائفة. وأخرج الشيخان عن جابر قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمري الظهران. نجني الكباث، وهو ثمر الأراك، ويقول عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه. فقلت: أكنت ترعى الغنم؟ قال: وهل من نبي إلا رعاها؟ قال ابن الأثير: الأراك شجر معروف له حمل كعناقيد العنب. وأخرج الشيخان عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله. وفي رواية: كان يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله ونعله. قال بعض الرواة: وسواكه. والتيمن: الابتداء باليمين، والترجل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه.