الحديث رقم 7

كتاب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم · المدة 8:01 · المقطع 7 من 20

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

ما زال الحديث بنا في حديث عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه رضي الله عنهن. قال عمر: فقلت يا رسول الله، قد دخلت على حفصة، فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فتبسم أخرى. فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم. فجلست، فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئًا يرد البصر إلا أهبًا ثلاثة، أي جلودًا ثلاثة. فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالسًا ثم قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله تعالى. قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن. فقال: إن الشهر تسع وعشرون. زاد في رواية: وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة. ثم قال: يا عائشة، إني ذاكر لك أمرًا. فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. ثم قرأ: يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها إلى قوله: أجراً عظيماً. قالت عائشة: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. وفي رواية أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله أرسلني مبلغاً ولم يرسلني متعنتاً. وفي أخرى قال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم. قال: فبينا أنا في أمر أتأمره إذ قالت لامرأتي: لو صنعت كذا وكذا. فقلت لها: ما لك ولمَ هاهنا؟ فيما تكلفك في أمر أريده؟ فقالت لي: عجباً لك يا ابن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان. فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه. فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله. يا بنية، لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله إياها، يريد عائشة. قال ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابة منها فكلمتها، فقالت أم سلمة: عجبًا لك يا ابن الخطاب، دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه؟ قال: فأخذتني والله أخذًا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها. وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر. ونحن نتخوف ملكًا من ملوك غسان ذُكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه. فإذا صاحب الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح افتح. فقلت: جاء الغساني؟ قال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه. فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة. فأخذت ثوبي فأخرج حتى جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة له يرتقى إليها بعجلة، وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس الدرجة، فقلت: قل هذا عمر بن الخطاب، فأذن لي. قال عمر: فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرظًا مصفورًا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله. فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ولمسلم أيضًا نحو ذلك، وفيه: وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب، وفيه دخول عمر على عائشة وحفصة ولومه لهما، وقوله لحفصة: والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك. وفيه قول عمر عند الاستئذان في إحدى المرات: يا رباح، استأذن لي فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني أن أضرب عنقها لأضربن عنقها. قال: ورفعت صوتي، وأنه أذن له عند ذلك، وأنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه فأذن له، وأنه قام على باب المسجد فنادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وأنه قال له وهو يرى الغضب في وجهه: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال: وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت هذه الآية، آية التخيير: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن. وفيه أنه قال: فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا. قال: ونزلت أتشبث بالجذع، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسع وعشرين، فقال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين. فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، ونزلت هذه الآية: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله عز وجل آية التخيير. قوله: رمال الحصير هو ضلوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب، والقرظ شجر تُدبغ به الجلود، وقوله: مصبورًا أي مجموعًا. قال ابن حجر: قال المهلب في الحديث أن للإمام أن يحتجب عن بطانته وخاصته إذا طرقه أمر من جهة أهله، حتى يذهب غيظه ويخرج إلى الناس وهو منبسط إليهم.