الحديث رقم 20
نص الحلقة
أخرج مسلم عن عبادة بن الصامت قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل عليه كُرِبَ لذلك وتربد له وجهه، أي تغير لون وجهه. وفي رواية: كان إذا أُنزل عليه الوحي نكس رأسه ونكس أصحابه رؤوسهم، فلما أُتلي عنه رفع رأسه، أُتلي عنه أي ارتفع عنه الوحي. وفي أخرى قال: كان إذا أُنزل عليه الوحي عرفنا ذلك فيه، وغمض عينيه وتربد وجهه. وأخرج الشيخان عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا. ولمسلم قالت: إن كان لينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغداة الباردة ثم تفيض جبهته عرقًا. قوله: يتفصد، أي يسيل عرقه كما يسيل الدم من العِرق إذا فُصِد. وأخرج الشيخان عن يعلى بن أمية أنه كان يقول لعمر: ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحي. فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أُظل به عليه. ومعه ناس من أصحابه فيهم عمر، إذ جاءه رجل متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب، أي تلطخ به؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي. فأشار عمر إلى يعلى أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا هو محمر الوجه، يغط لذلك ساعة ثم سري عنه، والخطيط صوت نفس النائم. قال: أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟ فالتمس الرجل، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك. وأخرج البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه: لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها عليه، فقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلًا أعمى، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله عز وجل غير أولي الضرر. وأخرج مسلم عن ابن عباس أن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء مكة يقولون: إن محمدًا مجنون. فقال لو أني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، قال ضماد: فقلت له: أعد علي كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، وقد بلغن قاموس البحر، أي لجته ووسطه، وقيل قعره. هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بعد مقدمه المدينة، فمروا على قومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئاً؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة، وفي نسخة: إداوة. فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضماد. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن، بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل. فقال لقد أخطأ ظني، أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم، عليَّ الرجل فدعي له. فقال له عمر: لقد أخطأ ظني، أو إنك على دينك في الجاهلية، أو لقد كنت كاهنهم. فقال: ما رأيتك اليوم استقبل به رجل مسلم. قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يوم في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع. قالت: ألم تر الجن وإبلاسها، ويأسها من بعد إنكاسها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟ قال عمر: صدق. بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا أشد صوتًا منه، يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا. ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله. فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي. قوله: أحلاسها جمع حلس، وهو الكساء على ظهر البعير. وجليح اسم رجل، وأمر نجيح أي سريع ناجح. وأخرج الشيخان عن أنس قال: إن الله تابع على رسوله صلى الله عليه وسلم الوحي قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد. وأخرج مسلم عن أنس قال: قال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها. فلما انتهيا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها.