الحديث رقم 14
نص الحلقة
أخرج البخاري ومسلم عن جابر قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا، أي جوعًا شديدًا، فانكفأت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصًا شديدًا. فأخرجت إلي جرابًا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه. فجئت فساررته، فقلت: يا رسول الله، ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعًا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع سورًا فحيهلًا بكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء. فجئت، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئت امرأتي، فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت له عجينًا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتك ولا تنزلوها وهم ألف. فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو. وللبخاري قال. إن يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل. ثم قام وبطنه معصوب، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فعاد كثيبًا أهيل أو أهيم. فقلت: يا رسول الله، ائذن لي إلى البيت. فقلت لامرأتي: إني رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئًا ما في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق. فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البرمة. ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم، والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال: كم هو؟ فذكرت له، قال: كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي. فقال: قوموا. فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلو ولا تضاغطوا. فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخبر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي منه بقية، فقال: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة. قوله: عاد أهيل. أي منهالًا يسيل من لينه، والأثافي الحجارة التي تنصب القدر عليها. وأخرج البخاري عن جابر أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع إليه، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له، فأبى. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل فمشى فيها، ثم قال لجابر: جد له، فأوفِ الذي له. فجده بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي صرمه، فأوفاه ثلاثين وسقًا، وفضلت له سبعة عشر وسقًا. فجاء جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال: أخبر بذلك ابن الخطاب. فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليباركن فيها. وفي رواية قال: توفي أبي وعليه دين، فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه فأبوا، ولم يروا أن فيه وفاءً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: إذا جددته فوضعته في المربد آذنني، فلما جددته ووضعته في المربد آذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء ومعه أبو بكر وعمر، فجلس عليه ودعا بالبركة فيه، ثم قال: ادع غرماءك فأوفهم. فما تركت أحدًا له دين على أبي إلا قضيته، وفضل ثلاثة عشر وسقًا: سبعة عجوة، وستة لون، أو ستة وسبعة. فوافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب، فذكرت ذلك له، فضحك وقال: ائت أبا بكر وعمر فأخبرهما. فقالا: لقد علمنا إذ صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع أن سيكون. وقال في رواية: صلاة العصر، وفي رواية: صلاة الظهر. وفي أخرى قالت: توفي عبد الله بن عمرو بن حرام وعليه دين، فاستعنت بالنبي صلى الله عليه وسلم على غرمائه أن يضعوا من دينه، فطلب إليهم فلم يفعلوا. فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فصنف تمرك أصنافًا: العجوة على حدة، وعذق زيد على حدة، ثم أرسل إلي. ففعلت، ثم أرسلت إليه، فجلس في أعلاه أو في وسطه، ثم قال: كل للقوم. فأكلت لهم حتى أوفيتهم الذي لهم، وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء. وفي رواية: فما زال يكيل لهم حتى أدى. وفي أخرى: نحوه، وفيه زيادة، قال: جاء بأصيب عبد الله وترك عيالًا ودينًا، فطلبت إلى أصحاب الدين أن يضعوا بعضًا فأبوا، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستشفعت به عليهم فأبوا، فقال: صنف تمرك كل شيء على حدة، ثم أحضرهم حتى آتيك. ففعلت، ثم جاء فقعد معه، وكان لكل رجل حتى استوفى، وبقي التمر مكانه كأنه لم يمس. وفي أخرى: أن أباه استشهد يوم أحد وترك ست بنات. وترك عليه دينًا، فلما حضر جداد النخل أتيته فقلت: يا رسول الله، قد علمت أن والدي استشهد يوم أُحد وترك دينًا كثيرًا، وأحب أن يراك الغرماء. فقال: اذهب فبيدر كل تمر على ناحية. ففعلت، ثم دعوته، فلما رأوه أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرًا ثلاث مرات ثم جلس عليه، ثم قال: ادع أصحابك. فما زال يكيل لهم حتى أدى الله أمانة والدي، وأنا والله راضٍ أن يؤدي الله أمانة والدي ولا أرجع إلى أخواتي بتمرة. فسلم الله البيادر كلها حتى إني أنظر إلى البيدر الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه لم ينقص تمرة واحدة. وفي أخرى أن أباه توفي وعليه دين. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أبي ترك عليه دينًا وليس عندي إلا ما يخرج نخله، ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه، فانطلق معي لكي لا يفحش علي الغرماء. فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا، ثم آخر، ثم جلس عليه، فقال: انزعوه. فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم. وفي أخرى أن أباه قتل يوم أُحد شهيدًا، فاشتد الغرماء في حقوقهم. قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته، فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي، فأبوا، فلم يعطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطي ولم يكسره لهم، ولكن قال: سأغدو عليك. فغدا علينا حين أصبح، وطاف في النخل، ودعا في ثمرها بالبركة، فجددتها فقضيتهم حقوقهم، وبقي لنا من ثمرنا بقية. ثم جئت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لعمر وهو جالس: اسمع يا عمر. فقال عمر: ألا نكون قد علمنا أنك رسولُ الله؟ والله إنك لرسولُ الله. قيل: خص عمر لأنه كان معتنيًا بقصة جابر، مساعدًا له على دين أبيه، وقيل لأنه كان حاضرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم لما مشى في النخل. قال ابن حجر: ثم وجدت ذلك صريحًا في بعض طرقه وذكرها.