الحديث رقم 9
نص الحلقة
في باب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج البخاري عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه؟ فقال: هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال لي الناس: أُصيب سلمة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفث فيها ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة. وأخرج البخاري ومسلم عن عمران بن حصين قال: كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنا أسرينا حتى إذا كنا في آخر الليل وقعنا وقعة ولا وقعة عند المسافر أحلى منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، فكان أول من استيقظ فلان ثم فلان ثم فلان، يسميهم أبو رجاء العطاردي فنسي عوف، ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نام لم نوقظه حتى يكون هو يستيقظ؛ لأننا لا ندري ما يحدث له في نومه. فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلاً جليداً، وعند مسلم: وكان أجوف جليداً، كبر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ لصوته النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، فقال: لا ضير أو لا يضير، ارتحلوا فارتحل، فسار غير بعيد ثم نزل، فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة فصلى بالناس. فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك. ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانًا كان يسميه أبو رجاء ونسيه عوف، ودعا عليًا، فقال: اذهبا فابغيا الماء. فانطلقا، فتلقى امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ فقالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوف، أي غائبون. قالا لها: انطلقي إذن. قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قال: هو الذي تعنين. فانطلقي. فجاءا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحدثاه الحديث. قال: فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بإناء، فأفرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزالي، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا. فسقى من شاء واستقى من شاء، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناءً من ماء، فقال: اذهب فأفرغه عليك، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها. ويم الله لقد أقلع عنها، وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملاءة منها حين ابتدئ فيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لها. فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوه في ثوب وحملوه على بعيرها ووضعوا الثوب بين يديها، وقال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا، أي ما نقصنا منه شيئًا، ولكن الله هو الذي أسقانا. فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، وقالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الصابئ، ففعل كذا وكذا، والله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه. وقالت بأصبعيها السبابة والوسطى، فرفعتهما إلى السماء وتعني السماء والأرض، أو إنه لرسول الله حقًّا. فكان المسلمون بعد يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصرم الذي هي منه. فقالت يومًا لقومها: ما أرى إلا أن هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام. وفي رواية: إن أول من استيقظ أبو بكر ثم استيقظ عمر، فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، وإنه عليه الصلاة والسلام قال: ارتحلوا. فسار بنا حتى إذا بيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة. قال عمران: ثم عجلني في ركب بين يديه نطلب الماء، وقد عطشنا عطشًا شديدًا، فبينا نحن نسير إذا بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين، فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: هيهات هيهات، لا ماء لكم. فقلنا كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت مسيرة يوم وليلة، وذكره. قال فاستقبلنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها فأخبرته بمثل الذي أخبرتنا، وأخبرته أنها موتمة لها صبيان أيتام، فأمر براويتها فأنيخت، فمج في العزلاوين العلياوين، ثم بعث براويتها فشربنا ونحن أربعون رجلاً عطاش حتى روينا، وملأنا كل قربة معنا وإداوة، وغسلنا صاحبنا، غير أنا لم نسق بعيراً، وهي تكاد تنضرج بالماء، يعني المزادتين. ثم قال: هاتوا ما عندكم، فجمعنا لها من كسر وتمر، وصر لها صرة، فقال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالك، واعلمي أنا لم نرزأ من مائك شيئاً، وإنما الله سقانا. فلما أتت أهلها قالت: لقد لقيت أسحر البشر، أو إنه لنبي كما زعم. وكان من أمره ذيت وذيت، فهدى الله ذلك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا. قوله أجوف أي ضخم الجوف عظيمه، والمزادة هي القربة الكبيرة سميت بذلك لأنه يزاد فيها جلد من غيرها، والعزلاء هو فم المزادة الأسفل الذي يخرج منه الماء، والصرم الطائفة من القوم، وقوله ذيت وذيت من ألفاظ الكنايات مثل قوله كيت وكيت وكذا وكذا. وأخرج مسلم عن جابر قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا وادياً أفيح. فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ صلى الله عليه وسلم إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الْأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا فَقَالَ: انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا لَأَمَ بَيْنَهُمَا، أَيْ جَمَعَهُمَا، فَقَالَ: الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَالْتَأَمَتَا. قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُحْضِرُ، أَيْ أُسْرِعُ، مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُقْبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَفَ وَقْفَةً، فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الرَّاوِي بِرَأْسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، ثُمَّ أَقْبَلَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيَّ قَالَ: يَا جَابِرُ، هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَتَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، فَأَقْبِلْ بِهِمَا، حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلِ الْغُصْنَ عَنْ يَمِينِكَ وَغُصْنًا عَنْ يَسَارِكَ. قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكَسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ، فَانْذَلَقَ لِي فَأَتَيْتُ الشَّجَرَتَيْنِ فَقَطَعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنًا، ثُمَّ أَقْبَلْتُ أَجُرُّهُمَا. حتى قمت مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسلت غسلاً عيميني وغسلاً عيساري، ثم لحقته، فقلت: قد فعلت يا رسول الله، فعم ذاك؟ قال: إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغسلان رطبين. قال: فأتينا العسكر.