الحديث رقم 12
نص الحلقة
أخرج البخاري عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه. وفي رواية: جهش الناس نحوه، فقال صلى الله عليه وسلم: ما لكم؟ قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك. فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه، وعلمت أنه بركة. قال: فقلت لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مئة، والركوة العلبة. وأخرج البخاري عن البراء بن عازب قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية. كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشرة مئة، والحديبية بئر فنزعناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناءٍ من ماء، فتوضأ فمضمض ودعا ثم صبه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا. وفي رواية نحوه إلا أنه قال: ائتوني بدلو من مائها، فأتي به فبصق ودعا، ثم قال: دعوها ساعة. قال: فأرووا أنفسهم وركابهم حتى ارتحلوا. وأخرج البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فأصابنا جهد حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمرنا نبي الله صلى الله عليه وسلم فجمعنا تزادنا، أي ما يتزود به الإنسان في سفره من زاد وغيره، فبسطنا له نطعًا، فاجتمع زاد القوم على النطع، فتطاولت لأحزره كم هو، فحزرته كربضة العنز، ونحن أربعة عشرة مئة، فأكلنا حتى شبعنا جميعًا، ثم حشونا جربنا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فهل من وضوء؟ فجاء رجل بإداوة فيها نطفة، أي ماء قليل، فأفرغها في قدح، فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة، أي نصبه صبًّا كثيرًا، أربعة عشرة مئة، ثم جاء بعد ثمانية، فقالوا: هل من طهور؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرغ الوضوء. وللبخاري قال سلمة: خفت أزواد القوم وأملقوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم فأذن لهم، فلقيهم عمر فأخبروه، فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناد في الناس يأتوا بفضل أزوادهم، فبسط لذلك نطع وجعلوه على النطع، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا وبارك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم، فاحتث الناس حتى فرغوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير، فنفدت أزواد القوم حتى هم بنحر بعض حمائلهم، فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها. قال: ففعل، فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره، وقال مجاهد: وذو النواة بنواه. قلنا: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: يمصونه ويشربون عليه الماء. قال: فدعا عليها حتى ملأ القوم أزودتهم، فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة. وفي رواية عنه أو عن أبي سعيد شك الأعمش، قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادَّهنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا. فجاء عمر فقال: يا رسول الله، إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة. ثم قال: خذوه في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاءً إلا ملؤوه، وأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة. وأخرج البخاري عن أبي هريرة، كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني وعرف ما في وجهي وما في نفسي، ثم قال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق. ومضى فاتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة. قال أبو هر: قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي. قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا إلى أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك. وقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت حقًّا أن أصيب من هذا اللبن شربةً أتقوى بها، فإذا جاءوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم. فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليَّ فتبسم، فقال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: بقيت أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله. قال: فاقعد فاشرب. فقعدت فشربت، فقال: اشرب. فشربت، فما زال يقول: اشرب، حتى قلت: لا، والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. قال: فأرني. فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة. وفي رواية أخرى مختصرًا قال: أصابني جهد شديد، فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آيةً من كتاب الله، فدخل داره وفتحها عليَّ، أي فتح الآية، فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجوع، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسي، فقال: يا أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. فأخذ بيدي فأقامني، وعرف الذي بي، فانطلق بي إلى رحله، فأمر لي بعس من لبن. أيقظت من اللبن فشربت منه، ثم قال لي: عد يا أبا هر، فعدت فشربت، ثم قال: عد، فعدت فشربت، حتى استوى بطني فصار كالقدح. قال: فلقيت عمر بعد ذلك وذكرت له الذي كان من أمري، وقلت له: فولى الله ذلك من كان أحق به منك يا عمر. والله لقد استقرأتك الآية ولا أنا أقرأ لها منك. قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي مثل حمر النعم. قوله: الله الذي لا إله إلا هو، هو قسم بحذف حرف القسم. هذه رواية الأكثر، والقدح هو السهم قبل أن يبرى ويراش، يريد أن جوفه استوى بعد التصاقه بظهره.