الحديث رقم 19
نص الحلقة
في كتاب ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: لما سقط حائط حجرة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن الوليد بن عبد الملك، أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم، ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي إلا قدم عمر رضي الله عنه. وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع. وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أول شفيع في الجنة، لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد. وفي رواية: أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة. وفي أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك. باب بدء الوحي وشدته. أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: أول ما بُدِئَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه. قال: والتحنث التعبد، الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق. وفي رواية: حتى فجئه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: قلت ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: أي خديجة، ما لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي. فقالت له: كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا. وفي رواية: لا يحزنك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب. وفي رواية: وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوَمُخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي. الكَلُّ: الأثقال، والحوائج المهمة، والعيال، وكل ما يتكلفه الإنسان ويحمله. قوله: لم ينشب ورقة، أي لم يلبث. وأخرج البخاري ومسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت. فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر أحدا، ثم نوديت، فنظرت فلم أر أحدا، ثم نوديت، وفي رواية سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثت منه رعبا، أي فزعت، وفي رواية فأخذتني رجفة شديدة، فأتيت خديجة فقلت دثروني، فدثروني وصبوا علي ماء باردا، فأنزل الله عز وجل: يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجل: وأنذر عشيرتك الأقربين، قال: يا معشر قريش، أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا. وللبخاري قال: يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله. يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله. يا أم الزبير عمة رسول الله. يا فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئا. سلاني من مالي ما شئتما. ولمسلم قال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ. يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا. قوله: لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، أي لا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا قَرَابَتُكُمْ مِنِّي. وَالْبِلَالُ وَالْبَلَالُ: مَا يُبَلُّ بِهِ، اسْتِعَارَهُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ، أَيْ سَأَصِلُهَا بِصِلَتِهَا. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتُمْ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَا: لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، انْطَلَقَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَضْمَةِ جَبَلٍ، وَالرَّضْمَةُ صُخُورٌ عِظَامٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا، ثُمَّ نَادَى: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ. فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ، أَيْ يَحْرُسُهُمْ وَيَتَطَلَّعُ لَهُمْ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.