الحديث رقم 16
نص الحلقة
أخرج مسلم عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو، فأغضباه، فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله، لمن أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان؟ قال: وما ذلك؟ قلت: لعنتهما وسببتهما. قال: أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: لا. قال: قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاةً وأجرًا. وأخرج مسلم عن أنس قال: كانت عند أم سليم يتيمة، فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: آه، أنت هيه، فقد كبرت، لا كبر سنك أو قرنك. فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت لها: ما لك يا بنية؟ فقالت: دعا علي نبي الله ألا يكبر سني، فإذا لا يكبر سني أبدًا، أو قالت: قرني. فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أم سليم؟ فقالت: يا نبي الله، دعوت على يتيمتي. فقال: وما ذلك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت ألا يكبر سنها أو قرنها. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا أم سليم، أما تعلمين شرطي على ربي؟ إني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورًا وزكاةً وقربةً تقربه بها يوم القيامة. وأخرج مسلم عن ابن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب، فجاء فحطأني حطأة، وقال اذهب فادع لي معاوية، فجئت فقلت هو يأكل، ثم قال لي اذهب فادع معاوية، فجئت فقلت هو يأكل، فقال لا أشبع الله بطنه. قال ابن المثنى فقلت لأميه ما معنى حطأني؟ قال قفدني قفدة. أخرجه مسلم في باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك، كان له زكاة وأجرا ورحمة، ولا متعلق في الحديث أبدا لمن كان في قلبه غل على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عنهم ليغيظ بهم الكفار. قال الإمام مالك: من أصبح في قلبه غيظ على أحد من الصحابة فقد أصابته هذه الآية. وقال تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. قوله حطأني أو قفدني هو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة. وأخرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم... قال: بُعثتُ بجوامع الكلم، ونُصرتُ بالرعب، وبينا أنا نائم رأيتني أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض فوُضعت في يدي. قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلونها، أي تستخرجونها. ولمسلم قال: فُضلت على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيون. وأخرج مسلم عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صلى عليَّ واحدة صلى الله عليه عشرًا، وفي رواية: من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا. وأخرج مسلم عن أبي مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلي عليك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم. وأخرج أحمد والبزار والنسائي وابن حبان والطبراني في الكبير والحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض. يبلغوني من أمة السلام. سياحين أي سيارين بكثرة في ساحة الأرض. وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي في السنن بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من أحد يسلم علي إلا رد الله تبارك وتعالى علي روحي حتى أرد عليه السلام. وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي في الشعب بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني. قال الطيبي: نهاهم عن اجتماع لزيارة قبره اجتماعهم للعيد نزهةً وزينة، وكانت اليهود والنصارى تفعل ذلك بقبور أنبيائهم. وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود: نهاهم أن يجعلوه مجمعًا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة. وقوله: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، قال القاري: أي كالقبور الخالية عن ذكر الله وطاعته، بل اجعلوا لها نصيبًا من العبادة النافلة. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُحيا أو يُخيَّر. قالت عائشة: فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى. قلت إذن لا يختارون. قالت: عرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح، في قوله: إنه لم يقبض نبي قط حتى يُرى مقعده من الجنة ثم يُخيَّر. قالت عائشة: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم، قوله: اللهم الرفيق الأعلى. وفي رواية أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وأصغت إليه قبل أن يموت، وهو مستند إليها، يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى. وفي أخرى قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبي يمرض إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة، وكان في شكواه الذي قُبض فيه أخذته بحة شديدة، فسمعته يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، فعلمت أنه خُيِّر. قالت: وبين يديه ركوة أو علبة شك الراوي فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، يقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات. ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبض فمالت يده صلى الله عليه وسلم. وللبخاري قالت: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه، يقول: أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء. فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ يَدُورُ عَلَيَّ فِيهِ، فِي بَيْتِي، فَقَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّ رَأْسَهُ لَبَيْنَ نَحْرِي وَسَحْرِي، وَخَالَطَ رِيقُهُ رِيقِي. دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَانِيهِ، فَقَضَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَنَّ بِهِ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِي. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ كَانَ لَيَتَفَقَّدُ فِي مَرَضِهِ، يَقُولُ: أَيْنَ أَنَا الْيَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. وَفِي أُخْرَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ.