الحديث رقم 344
نص الحلقة
في باب فضائل الصحابة، أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ليكتب لهم بالبحرين، فقالوا: لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها. فقال: ذلك لهم ما شاء الله. كل ذلك يقولون له. قال: فإنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني. وفي رواية: دعا الأنصار إلى أن يقطع لهم بالبحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها. فقال: إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم أثرة بعدي. وفي أخرى: دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهم بالبحرين، فقالوا: يا رسول الله، إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها. فلم يكن ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني. قوله: كل ذلك يقولون له، أي يعيدون عليه قولهم، حتى قال: فإنكم سترون أثرة بعدي، إلى آخره. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. وللبخاري عن أنس قال: مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون. فقال ما يبكيكم؟ قالوا ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. قوله كرشي وعيبتي، الكرش بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده. أراد صلى الله عليه وسلم أنهم خاصته وبطانته وموضع سره رضي الله عنهم وأرضاهم. وقوله يقلون، أي يقل الأنصار. وأخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه، وعليهم حلفة متعطفًا بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء، حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح في الطعام، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. فكان آخر مجلس جلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير. فقال سعد بن عبادة، وكان ذا قدم في الإسلام: أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فضل علينا. فقيل له: قد فضلكم على ناس كثير. ولمسلم قال أبو أسيد: اتهموا أنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كنت كاذبًا لبدأت بقومي بني ساعدة. وبلغ ذلك سعد بن عبادة، فوجد في نفسه، وقال: خلفنا فكنا آخر الأربعة، أسرجوا لي حماري آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه ابن أخيه سهل بن سعد، فقال: أتذهب لترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله أعلم؟ أوليس حسبك أن تكون رابع أربعة؟ فرجع، وقال: الله ورسوله أعلم. وأمر بحماره فحُلَّ عنه. وفي أخرى له قال: فلحقنا سعد بن عبادة، فقال أبو أسيد: ألم تر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير دور الأنصار، فجعلنا آخرًا؟ فأدرك سعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، خيرت دور الأنصار، فجعلتنا آخرًا؟ فقال: أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ وفي أخرى له قال إبراهيم بن محمد بن طلحة: سمعت أبا أسيد خطيبًا عند ابن عتبة، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير دور الأنصار دار بني النجار. ودار بني عبد الأشهل، ودار بني الحارث بن الخزرج، ودار بني ساعدة. والله لو كنت مؤثراً بها أحداً لآثرت بها عشيرتي. قوله: خير دور الأنصار، أي خير قبائلهم، وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة، فتسمى تلك المحلة دار بني فلان. ولهذا جاء في كثير من الروايات: بنو فلان، من غير ذكر الدار. قال العلماء: وتفضيلهم على قد سبقهم إلى الإسلام ومآثرهم فيه. وابن عتبة هو الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، عامل عمه معاوية بن أبي سفيان على المدينة. قال النووي: فيه دليل لجواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة ولا هوى، ولا يكون هذا غيبة. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: بنو النجار، ثم الذين يلونهم بنو عبد الأشهل، ثم الذين يلونهم بنو الحارث بن الخزرج، ثم الذين يلونهم بنو ساعدة. ثم قال بيده فقبض أصابعه ثم بسطهن كالرامي بيده، ثم قال: وفي كل دور الأنصار خير. وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلس عظيم من المسلمين: أحدثكم بخير دور الأنصار؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بنو عبد الأشهل. قالوا: ثم من يا رسول الله؟ قال ثم بنو النجار، قالوا ثم من يا رسول الله؟ قال ثم بنو الحارث بن الخزرج، قالوا ثم من يا رسول الله؟ قال ثم بنو ساعدة، قالوا ثم من يا رسول الله؟ قال ثم في كل دور الأنصار خير. فقام سعد بن عبادة مغضبًا، فقال: أناحن آخر الأربع حين سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم دارهم، فأراد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال له رجل من قومه: اجلس، ألا ترضى أن سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم داركم في الأربع الدور التي سمى؟ فمن ترك فلم يسم أكثر ممن سمى. فانتهى سعد بن عبادة عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.