الحديث رقم 362

كتاب المناقب والفضائل · المدة 12:23 · المقطع 20 من 35

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في كتاب الفضائل، أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدم إليه النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه. وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله، إنكارًا لذلك وإعظامًا له. وفي رواية أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويبتغيه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. قال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا وأنا أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، ولا يعبد إلا الله. فخرج زيد، فلقي عالمًا من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئًا أبدًا وأنا أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال ما أعلمه إلا أن تكون حنيفًا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله. فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم عليه السلام خرج، فلما برز رفع يديه وقال: اللهم اشهد أني على دين إبراهيم. السفرة كغرفة طعام المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير ويوضع تحته عند الأكل، فنقل الاسم إليه، وسمي به كل ما يفرش تحت الطعام. وأخرج مسلم عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا، جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ فقال: أنا نبي. فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: فبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء. قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. قال: ومعه يومئذ ممن آمن به أبو بكر وبلال. قلت إني متبعك. قال إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني. قال فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب من أهل المدينة، فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة. فقلت: بلى. فقلت: يا رسول الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة. فساق الحديث. وقد سبق تمام الحديث في باب صلاة التطوع، وفي باب فضل الوضوء. قال النووي: قوله جُرَآء عليه قومه، هكذا هو في جميع الأصول، جُرَآء بالجيم المضمومة، جمع جريء، بالهمزة من الجرأة، وهي الإقدام والتسلط. وقوله ما أنت، هكذا هو في الأصول، وإنما قال ما أنت ولم يقل من أنت؛ لأنه سأله عن صفته لا عن ذاته. وأخرج مسلم عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر رضي الله عنه: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أُنيس وأمنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا. فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ. فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَى عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، أَيْ أَظْهَرَهُ. فَقُلْتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَنَا فِيمَا بَعْدُ. فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا، فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا بِثَوْبِهِ فَجَعَلَ يَبْكِي. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا، أَيْ إِبِلِنَا، وَعَنْ مِثْلِهَا، فَأَتَى الْكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيْسًا، فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فَتَنَافَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْكُهَّانِ، فَلَمْ يَزَلْ أَخِي أُنَيْسٌ يَمْدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ، فَأَخَذْنَا صِرْمَتَهُ فَضَمَمْنَاهَا إِلَى صِرْمَتِنَا. قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ يَا ابْنَ أَخِي قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ. قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ تَعَالَى. قُلْتُ: فَأَيْنَ تَتَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ. فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي. فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ، يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ. وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ. قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ، وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشُّعَرَاءِ، فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي أَنَّهُ شِعْرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. قلت فاكفني حتى أذهب فأنظر. زاد بعض الرواة قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا. فأتيت مكة، فتضعفت رجلاً منهم، أي رأيته ضعيفاً، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ فأشار إلي. فقال الصابئ؟ فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشياً علي. فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر. فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها، ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم، وما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع. فبينما أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان، يعني مقمرة، إذ ضرب على أصمختهم، فما يطوف بالبيت أحد إلا امرأتان منهم تدعوان إسافاً ونائلة، فأتتا علي في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الأخرى. فما تناهتا عن قولهما، فأتتا علي فقلت: هن مثل الخشبة غير أني لا أكني. فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا. فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان. قال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: ما قال لكما؟ قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى، فلما قضى صلاته... قال أبو ذر فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقلت: السلام عليك يا رسول الله. فقال: وعليك ورحمة الله. ثم قال: ممن أنت؟ قلت: من غفار. فأهوى بيده، فوضع أصابعه على جبهته، فقلت في نفسي: كره أنني انتسبت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده، فقدعني صاحبه، وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه فقال: متى كنت هاهنا؟ قلت: كنت هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع. قال: إنها مباركة، إنها طعام طعم. فقال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته بها، ثم غبرت ما غبرت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟ فأتيت أنيسا، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت. فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت. فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم أيماء بن رحضة الغفاري، وكان سيدهم. وقال نصفهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله، إخواننا نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله. قوله: نثاه علينا، أي أظهره. والصرمة القطعة من الإبل نحو الثلاثين. ونافر عن صرمتنا وعن مثلها، معناه تراهن هو وآخر أيهما أفضل في الشعر، وكان الرهن صرمة ذا وصرمة ذا، فحكم الكاهن بأن أُنيسًا أفضل. والخفاء: الكساء. وقوله: راث علي، أي أبطأ. وأقراء الشعر طرقه وأنواعه. وقوله: شنفوا له، أي أبغضوه ونفروا منه. وقوله: تجهموا، أي تنكروا له واستقبلوه بما يكره. وقوله: كأني نصب أحمر، أي صنم أحمر مما يراق عليه من الدماء. وسخفة الجوع بفتح السين وضمها رقة الجوع وهزاله. وقوله: ضرب على عصم خاتهم، هي جمع صماخ وهو ثقب الأذن، كناية عن النوم العميق. وإساف ونائل صنمان تزعم العرب أنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا. وقوله: هن كالخشبة، عنى به الذكر. وقوله: قدعني صاحبي، أي كفني ومنعني. وقوله صلى الله عليه وسلم: طعام طعم. الطعام والطعم بمعنى الواحد، والمعنى أنها تشبع شاربها كما يشبعه الطعام. وقوله: غبرت ما غبرت، أي بقيت ما بقيت.