الحديث رقم 345
نص الحلقة
لم نزل في باب الفضائل والمناقب في فضائل الصحابة والتابعين. أخرج البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: فينا نزلت إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما. قال: نحن الطائفتان، بنو حارثة وبنو سلمة. وما يسرني أنها لم تنزل، لقول الله: والله وليهما. الفشل: الجبن، وقيل الفشل في الرأي العجز، وفي البدن العياء، وفي الحرب الجبن، والولي هو الناصر، وقوله: والله وليهما أي الدافع عنهما ما هموا به من الفشل؛ لأن ذلك كان من وسوسة الشيطان من غير وهن منهم، وكان ذلك يوم أحد. وأخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: صحبت جرير بن عبد الله البجلي في سفر فكان يخدمني، فقلت له: لا تفعل. فقال: إني قد رأيت الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا آليت ألا أصحب أحدًا منهم إلا خدمته. وكان جرير أكبر من أنس، قوله: آليت أي حلفت. وأخرج البخاري عن قتادة قال: ما نعلم حيًّا من أحياء العرب أكثر شهيدًا وأعز يوم القيامة من الأنصار. قال: وحدثنا أنس بن مالك أنه قُتل منهم يوم أُحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون. وأخرج البخاري عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار، كنتم تسمون به أم سماكم الله؟ قال بل سمانا الله عز وجل. قال غيلان كنا ندخل على أنس فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم، ويقبل علي أو على رجل من الأزد فيقول: فعل قومك يوم كذا وكذا، كذا وكذا. وأخرج البخاري عن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر. وأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، وفي رواية: فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ وأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومًا: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في رجل إلا دخل الجنة. وأخرج البخاري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم فقد غامر. فسلم، وقال: إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك. فقال صلى الله عليه وسلم: يغفر الله لك يا أبا بكر. ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا. فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبا بكر عمر، فانصرف عمر مغضبًا، فتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس، فقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم مرتين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت. وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ مرتين، فما أوذي بعدها. وفي رواية: هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت. قوله غامر، أي خاصم، ودخل في غمرة الخصوم. وقيل: هو من الغمر، بكسر الغين، وهو الحقد، أي حقد على أحد وحقد الآخر عليه. وقوله يتمعر وجهه، أي يتغير. وفي الحديث: فضل أبي بكر رضي الله عنه على جميع الصحابة، وأن الفاضل لا يغاضب من هو أفضل منه. وفيه جواز مدح المرء في وجهه إذا أمن عليه الافتتان والاغترار. وفيه ما طبع عليه الإنسان من البشرية، لكن الفاضل في الدين يسرع الرجوع إلى الأولى. وأخرج البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: إن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ كأنها تعني الموت. قال: إن لم تجديني فأت أبا بكر. وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: وارأساه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك لو كان وأنا حي، فأستغفر لك وأدعو لك. فقالت عائشة: واثكلاه، والله إني لأظنك تحب موتي، لو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا وارأساه، لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أي يقول القائلون أو يتمنى المتمنون. ثم قلت: يعب الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون. ولمسلم قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباكِ وأخاكِ حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. بوب البخاري على الحديث بقوله: باب ما رُخِّص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه، أو اشتد بي الوجع. وقال القرطبي: مجرد التشكي ليس مذمومًا ما لم يتسخط من المقدور. وقد اتفقوا على كراهة شكوى العبد ربه، وشكواه إنما هو ذكره للناس على سبيل التضجر. وتعقب النووي ما روي أن أنين المريض شكوى، وقال: هذا ضعيف أو باطل، واحتج بحديث عائشة هذا. نقل ذلك ابن حجر في الفتح، ثم قال: أما إخبار المريض صديقه أو طبيبه عن حاله فلا بأس به اتفاقًا. وقولها: معرسًا، يقال: أعرس وعرس إذا دخل الرجل بزوجته، ثم استعمل في كل جماع. وقولها: واثكلاه، الثكل فقد الولد أو العزيز، وليس مرادًا هنا، بل كانوا يقولونه عند حصول المصيبة أو توقعها.