الحديث رقم 359

كتاب المناقب والفضائل · المدة 9:04 · المقطع 17 من 35

☆ أضف للمفضلة

نص الحلقة

في كتاب الفضائل، أخرج مسلم عن خراشة بن الحر قال: كنت جالسًا في حلقة في مسجد المدينة، وفيها شيخ حسن الهيئة، وهو عبد الله بن سلام، فجعل يحدثهم حديثًا حسنًا، فلما قام قال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. قلت: والله لأتبعنه، فلا أعلمن مكان بيته. فتبعته فانطلق حتى كاد أن يخرج من المدينة، ثم دخل منزله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟ فقلت له: سمعت القوم يقولون لك لما قمت: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، فأعجبني أن أكون معك. قال: الله أعلم بأهل الجنة، وسأحدثك مما قالوا ذلك. إني بينا أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي: قم، فأخذ بيدي فانطلقت معه، فإذا أنا بجواد عن شمالي، فأخذت لآخذ فيها، فقال لي: لا تأخذ فيها، فإنها طرق أصحاب الشمال، وإذا جواد منهج عن يميني، فقال لي: خذها هنا، فأتى بي جبلًا فقال لي: اصعد، فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على استي حتى فعلت ذلك مرارًا، ثم انطلق بي حتى أتى بي عمودًا رأسه في السماء وأسفله في الأرض، فيه أعلاه حلقة، فقال لي: اصعد فوق هذا. قلت: كيف أصعد هذا ورأسه في السماء؟ فأخذ بيدي فزجل بي، فإذا أنا متعلق بالحلقة، ثم ضرب العمود فخر، وبقيت متعلقًا بالحلقة حتى أصبحت. فَأَعْطَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ، وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ وَلَنْ تَنَالَهُ، وَأَمَّا الْعَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الْإِسْلَامِ، وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ. قوله فَرَقِيتُ هو بكسر القاف على اللغة المشهورة الصحيحة، وحُكي فتحها. قال القاضي: وقد جاء بالروايتين في مسلم والموطأ وغيرهما في هذا الموضع. الجواد جمع جادة وهي الطريق، والمنهج: الطريق الواضح المطروق، وقوله زجلني ويقال زجلني أي دفعني ورمى بي. وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه. فأتاه فوجده جالسًا في بيته منكس الرأس، فقال: ما شأنك؟ قال: شر. كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه قال كذا وكذا، فقال: اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة. هذه رواية البخاري. ولمسلم قال: لما نزلت هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ، فقال: يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له شكوى. فأتاه سعد، فذكر له قول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أُنزلت هذه الآية، وقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار. فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بل هو من أهل الجنة. وأخرج البخاري عن موسى بن أنس قال: وذكر يوم القيامة، قال: أتى أنس ثابت بن قيس، وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط، فقال: يا عم، ما يحبسك ألا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي، وجعل يتحنط من الحنوط، ثم جاء فجلس، فذكره في الحديث انكشافًا من المسلمين، فقال: هكذا عن وجوهنا حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بئسما عودتم أقرانكم. قوله: يتحنط، أي يستعمل الحنوط، وهو ما يطيب به كفن الميت خاصة. وقوله: هكذا عن وجوهنا، أي يفسحوا لي حتى أقاتل. وقوله: بئسما عودتم أقرانكم، أي بئسما عودتم نظراءكم من الفرار منهم حتى طمعوا فيكم. وأراد بهذا توبيخ المنهزمين، فقاتل حتى قُتل. قال المهلب وغيره: فيه جواز استهلاك النفس في الجهاد، وترك الأخذ بالرخصة، والتهيئة للموت بالتحنط والتكفين، واستدل به على أن الفخذ ليس عورة. وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: كان الرجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى رؤيا قصها على النبي صلى الله عليه وسلم، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، وكنت غلامًا شابًا عزبًا، أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، ثلاث مرات، فلقيهما ملك آخر فقال لي: لم ترع، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل. قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا. وفي رواية قال: رأيت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعة إستبرق، فكأني لا أريد مكانًا من الجنة إلا طارت بي إليه، ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتلقاهما ملك فقال: لم ترع، خلِّيا عنه. فقصت حفصة إحدى رؤيتي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل، فكان عبد الله يصلي من الليل. وفي أخرى نحوه. وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرى عبد الله رجلاً صالحاً. وللبخاري قال: إن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقصونها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول فيها ما شاء الله. وأنا غلام حديث السن، بيت المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت ما يرى هؤلاء. فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم في خيراً فأرني رؤيا. فبينا أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة حديد، فحملاني إلى جهنم وأنا بينهما أدعو الله: اللهم إني أعوذ بك من جهنم. ثم أراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد، فقال: لم ترع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة. فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل، رؤوسهم أسفلهم. عرفت فيها رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عبد الله رجل صالح. قال نافع: فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة. المقمعة: بكسر الميم والجمع مقامع، هي كالسياط من حديد رؤوسها معوجة. قال الجوهري: المقمعة كالمحجن، وقوله لم تُرَع أي لم تُفزع، وفي رواية لن تُراع.